328

لمن يطلعانه على ذلك : لا تكفر باستعماله ، ولا تعدل عن الغرض في إلقاء هذا إليك ، فإنه إنما ألقي إليك ، وأطلعت عليه لتجتنبه ؛ لا لتفعله ، ثم قال : ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه )، أي فيعرفون من جهتهما ما يستعملونه في هذا الباب ؛ وإن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك ؛ ولهذا قال : ( ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم )، لأنهم لما قصدوا بتعلمه أن يفعلوه ويرتكبوه ، لا أن يجتنبوه صار ذلك لسوء اختيارهم ضررا عليهم.

وثانيها : أن يكون ( وما أنزل على الملكين ) موضعه موضع جر ، فيكون معطوفا بالواو على ( ملك سليمان )؛ والمعنى : واتبعوا ما كذب به الشياطين على ملك سليمان ، وعلى أنزل على الملكين ؛ ومعنى ( وما أنزل على الملكين ) أي معهما ، وعلى ألسنتهما ؛ كما قال تعالى : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) (1)، أي على ألسنتهم ومعهم.

وليس بمنكر أن يكون ( وما أنزل ) معطوفا علي ( ملك سليمان ) وإن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض ؛ لأن رد الشيء إلى نظيره ، وعطفه على ما هو أولى هو الواجب ، وإن اعترض بينهما ما ليس منهما ؛ ولهذا نظائر من القرآن وكلام العرب كثيرة ، قال الله تعالى : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) قيما ) (2) و «قيم» من صفات الكتاب حال منه ، لا من صفة «عوج» ، وإن تباعد ما بينهما ، ومثله قوله : ( يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ) (3)، فالمسجد هاهنا معطوف على الشهر الحرام ، أي يسئلونك عن القتال في الشهر الحرام وعن المسجد الحرام.

وحكي عن بعض علماء أهل اللغة أنه قال : العرب تلف الخبرين المختلفين ، ثم ترمي بتفسيرهما جملة ؛ ثقة بأن السامع يرد إلى كل خبره ؛ كقوله تعالى : ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) (4)، وهذا واضح في مذهب العرب ، كثير النظائر.

مخ ۴۴۶