327

أولها : أن يكون «ما» في قوله : «وما أنزل على الملكين» بمعنى الذي ، فكأنه تعالى أخبر عن طائفة من أهل الكتاب ، بأنهم اتبعوا ما تكذب به الشياطين على ملك سليمان ، وتضيفه إليه من السحر ؛ فبرأه الله تعالى من قرفهم ، وأكذبهم في قولهم ، فقال : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) باستعمال السحر والتمويه على الناس ، ثم قال : ( يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ) وأراد أنهم يعلمونهم السحر والذي أنزل على الملكين ، وإنما أنزل على الملكين وصف السحر وماهيته وكيفية الاحتيال فيه ؛ ليعرفا ذلك ويعرفاه للناس فيجتنبوه ويحذروا منه ، كما أنه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصي ، ووصف لنا أعمال القبائح لنجتنبها لا لنوقعها ؛ لأن الشياطين كانوا إذا علموا ذلك وعرفوه استعملوه ، وأقدموا على فعله ؛ وإن كان غيرهم من المؤمنين لما عرفه اجتنبه وحاذره وانتفع باطلاعه على كيفيته ، ثم قال : ( وما يعلمان من أحد ) يعنى الملكين ، ومعنى «يعلمان» يعلمان ، والعرب تستعمل لفظة «علمه» بمعني «أعلمه» ، قال القطامي :

تعلم أن بعد الغي رشدا

وأن لتانك الغبر انقشاعا (1)

وقال كعب بن زهير :

تعلم رسول الله أنك مدركي

وأن وعيدا منك كالأخذ باليد (2)

ومعنى «

** تعلم

التعليم قوله : ( وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر )، أي أنهما لا يعرفان صفات السحر وكيفيته إلا بعد أن يقولا إنما نحن محنة ، لأن الفتنة بمعنى المحنة ؛ وإنما كان محنة ، بحيث ألقيا إلى المكلفين أمرا لينزجروا عنه ، وليمتنعوا من مواقعته ، وهم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه ، فقالا

مخ ۴۴۵