319

بما هو متأخر في الحقيقة ، وواقع بعد ذبح البقرة ، وهو قوله تعالى : ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى )؛ لأن الأمر بضرب المقتول ببعض البقرة إنما هو بعد الذبح ؛ فكأنه تعالى قال : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) ولأنكم ( قتلتم نفسا فادارأتم فيها ) أمرناكم بأن تضربوه ببعضها ، لينكشف أمره.

فأما إخراج الخطاب مخرج ما يتوجه إلى الجميع مع أن القاتل واحد فعلى عادة العرب في خطاب الأبناء بخطاب الآباء والأجداد ، وخطاب العشيرة بما يكون من أحدها ؛ فيقول أحدهم : فعلت بنو تميم كذا ، وقتل بنو فلان فلانا ؛ وإن كان القاتل والفاعل واحدا من بين الجماعة ؛ ومنه قراءة من قرأ : ( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) (1)؛ بتقديم المفعولين على الفاعلين ؛ وهو اختيار الكسائي وأبى العباس ثعلب ؛ فيقتل بعضهم ويقتلون ؛ وهو أبلغ في وصفهم ، وأمدح لهم ، لأنهم إذا قاتلوا وقتلوا بعد أن قتل بعضهم كان ذلك أدل على شجاعتهم وقلة جزعهم وحسن صبرهم.

وقد قيل : إنه كان القاتلان اثنين ، قتلا ابن عم لهما ، وإن الخطاب جرى عليهما بلفظ الجمع ؛ كما قال تعالى : ( وكنا لحكمهم شاهدين ) (2)؛ يريد داود وسليمان عليهما السلام ؛ والوجه الأول أولى وأقوى بشهادة الاستعمال الظاهر له ، ولأن أكثر أهل العلم أجمعوا على أن القاتل كان واحدا.

ومعنى «فادارأتم» فتدارأتم ؛ أي تدافعتم ، وألقى بعضكم القتل على بعض ؛ يقال : دارأت فلانا إذا دافعته ، وداريته إذا لاينته ، ودريته إذا ختلته ؛ ويقال : إدرأ القوم إذا تدافعوا.

والهاء في قوله : ( فادارأتم فيها ) تعود إلى النفس ، وقيل : إنها تعود إلى القتلة ، أي اختلفتم في القتلة ؛ «قتلتم» تدل على المصدر ؛ والقتلة من المصادر ، تدل عليها الأفعال ، ورجوع الهاء إلى النفس أولى وأشبه بالظاهر.

فأما قوله تعالى : ( كذلك يحي الله الموتى ) فالإشارة وقعت به إلى قيام

مخ ۴۳۷