538

نفحة الریحانه ورشحه طلاء الحانه

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة

قالوا أضافَك يا يحيى لِخدْمتِه ... حبيبُ قلبِك في سِرٍ وفي عَلَنِ
فقلتُ لمَّا رآني غيرَ مُنْصرِفٍ ... عن حُبِّه رام كَسْرِي فهْوَ يَجْبُرنِي
وله موجهًا بأسماء الأنغام، فيمن اسمه حسين، وقد ورد المدينة من مكة:
أقول لِمَعْشَرِ العُشَّاقِ لمَّا ... بدا رَكْبُ الحِجازِ وقَرَّ عَيْنِي
أمِنْتُم من نَوَى المحبوبِ فاسْعَوْا ... له رَمَلًا وغَنُّوا في حُسَيْنِي
وما ألطف قول ابن جابر الأندلسي، في مثل ذلك:
يا أيها الحادِي اسْقنِي كأسَ السُّرَى ... نحوَ الحبيبِ ومُهْجتِي للسَّاقِي
حَيِّ العِراقَ على النَّوَى واحمِلْ إلى ... أهلِ الحِجازِ رسائل العُشَّاقِ
وله تأليف سماه أنموذج النجبا من معاشرة الأدبا تكلم فيه شارحًا لقول القائل:
حاشا شَمائلَك اللَّطيفةَ أن تُرَى ... عَوْنًا عليَّ مع الزمانِ الْقاسِي
غير أنه لم يعرف قائله، فقال: ولعمري، إنه، وإن جهل بانيه، من البيوت التي أذن الله أن تسكن، فما اللفظ إلا بمعانيه، وإن كان قائله ألكن.
ثم قال: وهذا البيت مما يكثر الاستشهاد به أهل الآداب، في محاضرة الأصدقاء والأحباب.
وهو من أربعة أبيات معمورة بلطيف العتاب، وتنزيه شمائل الأنجاب، مبرورة بصدق المنطق واقتضاء الصواب.
محاسنها غرر في جياد القصائد، ولمعاني البديع بها صلةٌ ومن مفرداتها عائد.
تشرق شموس التهذيب في سماء بلاغتها، وترتشف الأسماع على الطرب من رقيق سلافتها.
فما أحقها بقول القائل:
أبياتُ شِعْرٍ كالقُصو ... رِ ولا قصورَ بها يليقُ
ومن العجائبِ لَفْظُها ... حُرٌّ ومعناها رقيقُ
وهي:
إنِّي لأعْجبُ من صدودِكَ والجفَا ... من بعد ذاك القُرْبِ والإيناسِ
حاشَا شمائلك اللطيفةَ أن تُرَى ... عَوْنًا عليَّ مع الزمانِ القاسِي
أو ثَغْرَك الصافِي يَرُدُّ حُشاشةً ... تشْكو لَهِيبًا من لَظَى أنْفاسِي
تاللهِ ما هذا فِعالُك في الهوى ... لكنْ حُظوظٌ قُسِّمتْ في الناسِ
انتهى كلامه.
قال ابن معصوم: قلت: وقد وقفت أنا بالديار الهندية على مجموع بخط أبي البقاء الوفائي الوداعي الحنفي قديمٍ، يقول فيه: القاضي علاء الدين علي بن فضل الله أبو الحسن، صاحب ديوان الإنشاء، أخو القاضي شهاب الدين أحمد العمري، وقف على بيتين للصلاح الصفدي.
وهما:
إني لأعجبُ من صُدودِك والجفَا ... من بعد ذاك القُرْبِ والإيناسِ
حاشَا شمائَلك................. ... ..........................الخ
فقال مُجِيزًا لهما:
أو ثغرُك الصافي يرُدُّ حشاشتي ... ............ البيتين.
انتهى.
فعلم بهذا أن البيت الذي شرحه للصلاح الصفدي.
وقوله: إنه من أربعة أبيات ليس بصواب؛ لإيهامه أن الأربعة الأبيات قائلها واحد، وقد علمت أنها لشاعرين.
والله أعلم.
عبد الملك بن حسين العصامي هو بمنزلة الغرة بين البصر والجبين، رمقته عين العناية منذ أطلق عليه لفظ الجنين.
فنشأ مترديًا من النعمة ثوبًا سابغًان ومترويًا من الرفاهة شرابًا سائغًا.
لا دأب له إلا توسم وفود الآداب في سوق عكاظها، ولا شغل له إلا استكشاف وجوه المعاني المخبأة تحت براقع ألفاظها.
مشتملًا بحلي الكمالات وبرودها، رافلًا بين عقيق الفضائل وزرودها.
حتى ظنت حصاة علاه، وعجزت حصاة حلاه.
فما الدهر إلا من رواة معاليه، وما بديع الزمان إلا من خدمة معانيه.
وناهيك بعصامي النفس والجد، وماجدٌ جد في المعالي فساعفه على نيله الحظ والجد.
وقد صحبته أيام المجاورة، واغتنمت من نشوة المحاضرة والمحاورة.
في أوقاتٍ لا أحسب من عمري غيرها، ولا أنسى مدة عمري خيرها وميرها.
وقد أخذت عنه من بدعه، ومخترعه في محاسن الشعر ومبتدعه.
ما تتوالد من غصون حضيرته ولدان القريض، وتقتطف أزهار الأدب الغض من غصون روضه الأريض.
فمن ذلك قوله من قصيدة مدح بها الشريف سعد بن زيد، مطلعها:

2 / 38