669

تعالى لما خلق النظر بنفسه ، وعلمنا أن ذلك لا يصح فيه ؛ وجب أن يكون المراد به الثواب ؛ لأن الحكم الذى يقتضيه الاسم إذا لم يصح فيما علق به ، وجب أن يكون المراد غيره ، كقوله تعالى : ( وسئل القرية )، إلى غير ذلك من وجوه المجاز.

والثانى : أنه تعالى وصف الوجوه بأنها ناظرة ، وقد علمنا أن هذه اللفظة تفيد الجملة ؛ لأن الناظر هو الإنسان دون بعضه ، كما أنه العالم والقادر والفاعل ، فإذا صح وكان الإنسان يوصف بأنه ناظر على وجه فيراد به الانتظار ، وقد يراد به تقليب الحدقة طلبا للرؤية ، وقد يراد به التفكر بالقلب طلبا للمعرفة ، فليس فى الظاهر إذن دلالة على ما قاله القوم ، وهو محتمل له ولغيره.

والثالث : أنه تعالى أراد بذكر الوجوه جملة الإنسان ، لا البعض المخصوص ولذلك وصف الوجوه بأنها ناظرة ، وذلك يليق بها دون الأبعاض ، ولذلك قال من بعد : ( ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها ) [ 24 25 ] فوصفها بالظن الذى لا يليق بالوجه. فإذا صح ذلك وجب كون الكلام مجملا ، لأن الجملة إذا وصفت بأنها ناظرة ، لم يفهم أن المراد بها الرؤية. وما يذكرون من قولهم : إن النظر إذا علق بالوجه فالمراد به الرؤية ، لا يصح ، [ لأن ] تعليق النظر بالوجه غير معروف فى اللغة. والذى يعرف تعليقه بالعين هو الرؤية ، فأما تعليقه بالوجه ، فهو كتعليقه بالرأس ، فى أنه غير معروف أصلا! لأن هذا القول إنما كان يتم لو كان المراد بالوجه العضو المخصوص ، وقد بينا أن الأمر بخلافه ، ففارق ذلك ما استدللنا به من قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) (1) فى نفى الرؤية ، لأن الإدراك المطلق متى قرن بالبصر ، لا يعرف فى اللغة أن يراد به إلا الرؤية بالبصر. وهذا بين.

مخ ۶۷۴