وإن قلتم: سلب القدرة على المعصية، كان المعصوم عندكم هو العاجز عن الذنب. كما يعجز الأعمى عن نقط المصاحف، والمقعد عن المشي.
والعاجز عن الشيء لا ينهى عنه ولا يؤمر به، وإذا لم يؤمر وينه لم يستحق ثوابا على الطاعة، فيكون المعصوم عندكم لا ثواب له على ترك معصية، بل ولا على فعل طاعة. وهذا غاية النقص.
وحينئذ فأي مسلم فرض كان خيرا من هذا المعصوم، إذا أذنب ثم تاب، لأنه بالتوبة محيت سيئاته، بل بدل بكل سيئة حسنة مع حسناته المتقدمة، فكان ثواب المكلفين خيرا من المعصوم عند هؤلاء، وهذا يناقض قولهم غاية المناقضة.
وأما المقدمة الثانية: فلو قدر أنه لابد من معصوم، فقولهم ليس بمعصوم غير علي اتفاقا ممنوع، بل كثير من الناس من عبادهم وصوفيتهم وجندهم وعامتهم يعتقدون في كثير من شيوخهم من العصمة، من جنس ما تعتقده الرافضة في الاثني عشر، وربما عبروا عن ذلك بقولهم: ((الشيخ محفوظ)) .
وإذا كانوا يعتقدون هذا في شيوخهم، مع اعتقادهم أن الصحابة أفضل منهم، فاعتقادهم ذلك في الخلفاء من الصحابة أولى.
وكثير من الناس فيهم من الغلو في شيوخهم من جنس ما في الشيعة من الغلو في الأئمة.
وأيضا فالإسماعيلية يعتقدون عصمة أئمتهم، وهم غير الاثني عشر.
وأيضا فكثير من أتباع بني أمية - أو كثرهم - كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه ولا عذاب، وأن الله لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام، بل تجب عليهم طاعة الإمام في كل شيء، والله أمرهم بذلك. وكلامهم في ذلك معروف كثير.
وقد أراد يزيد بن عبد الملك أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزير، فجاء إليه جماعة من شيوخهم، فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو، أنه إذا ولى الله على الناس إماما تقبل الله منه الحسنات وتجاوز عنه السيئات.
ولهذا تجد في كلام كثير من كبارهم الأمر بطاعة ولي الأمر مطلقا، وأن من أطاعه فقد
مخ ۳۴۵