وسكن في مدائن الملوك، فأي حيلة للمعصوم فيه؟
فعلم أن المعصوم الواحد لا يحصل به المقصود، إذا كان ذا سلطان، فكيف إذا كان عاجزا مقهورا؟ فكيف إذا كان مفقودا غائبا لا يمكنه مخاطبة أحد؟ فكيف إذا كان معدوما لا حقيقة له؟
الوجه السابع: أن يقال: صد غيره عن الظلم، وإنصاف المظلوم منه، وإيصال حق غيره إليه فرع على منع ظلمه، واستيفاء حقه. فإذا كان عاجزا مقهورا لا يمكنه دفع الظلم عن نفسه، ولا استيفاء حقه من ولاية ومال، ولا حق امرأته من ميراثها، فأي ظلم يدفع؟ وأي حق يوصل؟ فكيف إذا كان معدوما أو خائفا لا يمكنه أن يظهر في قرية أو مدينة خوفا من الظالمين أن يقتلوه، وهو دائما على هذا الحال أكثر من أربعمائة وستين سنة، والأرض مملوءة من الظلم والفساد، وهو لا يقدر أن يعرف بنفسه، فكيف يدفع الظلم عن الخلق، أو يوصل الحق إلى المستحق؟ وما أخلق هؤلاء بقوله تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} (1) !
الوجه الثامن: أن يقال: حاجة الإنسان إلى تدبير بدنه بنفسه، أعظم من حاجة المدينة إلى رئيسها. وإذا كان الله تعالى لم يخلق نفس الإنسان معصومة، فكيف يجب عليه أن يخلق رئيسا معصوما؟
مع أن الإنسان يمكنه أن يكفر بباطنه، ويعصي بباطنه، وينفرد بأمور كثيرة من الظلم والفساد، والمعصوم لا يعلمها، وإن علمها لا يقدر على إزالتها، فإذا لم يجب هذا فكيف يجب ذاك؟
الوجه التاسع: أن يقال: هل المطلوب من الأئمة أن يكون الصلاح بهم أكثر من الفساد، وأن يكون الإنسان معهم أقرب إلى المصلحة وأبعد عن المفسدة، مما لو عدموا ولم يقم مقامهم؟ أم المقصود بهم وجود صلاح لا فساد معه؟ أم مقدار معين من الصلاح؟
فإذا كان الأول، فهذا المقصود حاصل لغالب ولاة الأمور. وقد حصل هذا المقصود على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، أعظم مما حصل على عهد علي. وهو حاصل بخلفاء بني أمية وبني العباس، أعظم مما هو حاصل بالاثنى عشر. وهذا حاصل بملوك الروم والترك
مخ ۳۴۱