وهذا بتقدير أن يكون صحيحا، لا يبيح شيئا مما فعلوه بعثمان. وغايته أن يكون مروان قد أذنب في إرادته قتلهم، ولكن لم يتم غرضه. ومن سعى في قتل إنسان ولم يقتله، لم يجب قتله. فما كان يجب قتل مروان بمثل هذا. نعم ينبغي الاحتراز ممن يفعل مثل هذا، وتأخيره وتأديبه. ونحو ذلك. أما الدم فأمر عظيم.
وأما قوله: ((وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال، حتى أنه دفع إلى أربعة نفر من قريش، زوجهم بناته، أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ألف ألف دينار)) .
فالجواب: أولا أن يقال: أين النقل الثابت بهذا؟ نعم كان يعطي أقاربه عطاء كثيرا، ويعطي غير أقاربه أيضا، وكان محسنا إلى جميع المسلمين. وأما هذا القدر الكثير فيحتاج إلى نقل ثابت.
ثم يقال: ثانيا: هذا من الكذب البين، فإنه لا عثمان ولا غيره من الخلفاء الراشدين أعطوا أحدا ما يقارب هذا المبلغ. ومن المعلوم أن معاوية كان يعطي من يتألفه أكثر من عثمان. ومع هذا فغاية ما أعطى الحسن بن علي مائة ألف أو ثلاثمائة ألف درهم. وذكروا أنه لم يعط أحدا قدر هذا قط.
نعم كان عثمان يعطي بعض أقاربه ما يعطيهم من العطاء الذي أنكر عليه، وقد تقدم تأويله في ذلك، والجواب العام يأتي على ذلك.
وبالجملة، فلا بد لكل ذوي أمر من أقوام يأتمنهم على نفسه، ويدفعون عنه من يريد ضرره. فإن لم يكن الناس مع إمامهم كما كانوا مع أبي بكر وعمر، احتاج الأمر إلى بطانة يطمئن إليهم، وهم لا بد لهم من كفاية. فهذا أحد التأويلين.
والتأويل الثاني: أنه كان يعمل في المال. وقد قال الله تعالى: {والعاملين عليها} (1) . والعامل على الصدقة الغني له أن يأخذ بعمالته باتفاق المسلمين.
وأما قوله: ((وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفره)) .
فالجواب: أن هذا من الكذب البين على ابن مسعود، فإن علماء أهل النقل يعلمون أن ابن مسعود ما كان يكفر عثمان، بل لما ولي عثمان وذهب ابن مسعود إلى الكوفة قال: ((ولينا أعلانا ذا فوق ولم نأل)) .
مخ ۳۰۶