444

معارج القبول بشرح سلم الوصول

معارج القبول بشرح سلم الوصول

ایډیټر

عمر بن محمود أبو عمر

خپرندوی

دار ابن القيم

شمېره چاپونه

الأولى

د چاپ کال

١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م

د خپرونکي ځای

الدمام

مُدَّتَهُ وَلَيَسْتَغْرِقَنَّ حَيَاتَهُ فِي إِغْوَاءِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ الَّذِينَ كَانَ طَرْدُهُ وَإِبْعَادُهُ بِسَبَبِهِمْ؛ إِذْ لَمْ يَسْجُدْ لِأَبِيهِمْ، وَلَا رَأَى أَنَّ ذَلِكَ بِاسْتِكْبَارِهِ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، بَلْ قَدَّسَ نَفْسَهُ اللَّئِيمَةَ وَأَسْنَدَ الْإِغْوَاءَ إِلَى رَبِّهِ مُخَاصَمَةً وَمُحَادَّةً وَمُشَاقَّةً: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٦-١٧]، وَلَمْ يَقُلِ اللَّعِينُ: "مِنْ فَوْقِهِمْ" لِعِلْمِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ فَوْقِهِمْ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٢]، وَقَدْ عَلِمَ الرَّجِيمُ ذَلِكَ فَقَالَ آيِسًا مِنْهُمْ: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٠]، ثُمَّ لَمَّا سَعَى إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ زَوْجِهِ فِي الْجَنَّةِ وَدَلَّهُمَا عَلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَاهُمُ اللَّهُ ﷿ عَنْهَا أَنْ يَقْرَبُوهَا، وَأَبَاحَ لَهُمْ مَا سِوَاهَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَاسْتَدْرَجَهُمُ اللَّعِينُ بِخِدَاعِهِ وحيلته البائرة، وغيرهم بِتِلْكَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢١]، فَنَفَذَ قَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرُهُ بِأَكْلِهِمَا مِنْهَا: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الْأَنْفَالِ: ٤٢]، وَظَنَّ اللَّعِينُ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ بِثَأْرِهِ مِنْ آدَمَ وَأَنَّهُ قَدْ أَهْلَكَهُ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِفَضْلِ اللَّهِ ﷿ وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٩]، فَلَمَّا عَاتَبَهُمَا اللَّهُ ﵎ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٢]، فَلَمْ يَعْتَرِضَا عَلَى قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَلَمْ يَحْتَجَّا بِذَلِكَ عَلَى ارْتِكَابِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يُخَاصِمَا بِهِ كَمَا قَالَ اللَّعِينُ مُوَاجِهًا رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٦]، بَلِ اعْتَرَفَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَأَقَرَّا بِظُلْمِهِمَا لِأَنْفُسِهِمَا وَصَرَّحًا بِافْتِقَارِهِمَا إِلَى رَبِّهِمَا وَبِكَمَالِ غِنَاهُ عَنْهُمَا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٣]، وَهَذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣٧] .
ثُمَّ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُهْبِطَهَمْ إِلَى دَارٍ أُخْرَى، هِيَ دَارُ الِامْتِحَانِ وَالِابْتِلَاءِ

2 / 461