353

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

نمو مذهب أحمد

٢٣٧ - قال فيلسوف التاريخ الاسلامي ابن خلدون في مذهب أحمد من حيث قلة أتباعه في البلاد الإسلامية:

"فأما مذهب أحمد فمقلده قليل، لبعد مذهبه عن الاجتهاد، وأصالته في معاضدة الرواية والأخبار، بعضها ببعض" (١)

وترى من هذا أن فيلسوف المؤرخين يضرب على نغمة الذين أنكروا على أحمد وصف الاجتهاد، وعدوه من علماء الحديث، لا من الفقهاء، لهذا الاعتبار فهو وإن كان لا يخرجه من زمرة الفقهاء يصف فقهه بأن الاجتهاد فيه قليل، وأنه يغلب عليه الرواية والأخبار، فيعاضد بعضها ببعض، ويوثق ضعيفها بقويها، أو يجمع بين طرائق الضعيف من الأخبار، ويزكي بعضها ببعض، ويجعل منها خبراً قوياً، أو على الأقل غير ضعيف.

وقد ذكرنا أن هذه القضية غير مسلمة، وبينا أن أحمد رضي الله عنه كان فقيهاً وكان مجتهداً، وكان اجتهاده مبنياً على أسس سليمة من السنة المروية، والآثار الصحاح الثابتة من أقضية الصحابة والتابعين، فكان يبني على ما علم من أخبار، ويقيس عليها فيفتي في الوقائع التي يبتلى بها الناس بمثل الفتوى التي أثرت عن الصحابة في مثلها، إن كان بينهما وجه من التشابه يشركهما في حكم واحد، فإن لم يجد تشابهاً بين الواقعة وما عنده من علم السلف، اتبع الصحابة في طريق دراستهم للمسائل، ومنهاج فتاويهم فهو يتبعهم في الفتوى والمنهاج، فله اجتهاد حسن قويم استمده من ينبوع الأثر، فأمده علم غزير بالآثار السلفية ومعانيها، وطرائق الوصول، ومنهاج استنباط المسائل فيها فجاء فقهه كما ذكرنا أثراً أو شبهاً بالأثر، وليس ذلك بناقص من قدره بوصفه فقيهاً مجتهداً، فليس الفقه هو الفتاوى المنطلقة من القيود السلفية، بل هو الإفتاء على ضوء من عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندما كانوا يجتهدون آراءهم.

(١) مقدمة ابن خلدون ص ٢٤٤ طبعة الخشاب

352