304

Ibn Hanbal: His Life and Era – His Opinions and Jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

النصوص والمصالح

- ١٩٢ - الفقهاء بالنسبة لاعتبار المصالح أصلاً من أصول الاستنباط، وهو ما يسمى أصل المصالح المرسلة، أو الاستدلال المرسل ثلاث طوائف: طائفة لم تعتبر المصالح إلا إذا كان لها أصل خاص يشهد لها بالاعتبار، فإذا لم يكن لها أصل شاهد بالاعتبار أو المنع ردوها، وهم الشافعية، والحنفية، فالشافعية لا يأخذون إلا بالنصوص، أو الحمل على النصوص بالقياس الذي يقيدون علته ومسالكها، ويندر أن يأخذوا بمصلحة مرسلة لا يشهد لها دليل خاص بالاعتبار.

والحنفية يأخذون بالاستحسان مع القياس، ولكنهم يردونه إلى القياس الخفي أو الإجماع أو النص، أما الاستدلال المرسل أو المصلحة المرسلة، فليس له عندهم اعتبار، وإن كان الاستحسان يفتح الباب قليلاً لها.

((الطائفة الثانية)) تأخذ بالمصلحة المرسلة، ولو لم يكن لها شاهد بالاعتبار ولكنهم يؤخرونها عن النصوص، فلا يقدمون مصلحة على حديث، ولو كان حديث آحاد، بل لا يقدمونها على فتوى الصحابي، ولا الحديث المرسل أو الخبر الذي لم يصل إلى درجة الصحة والقوة، وهؤلاء هم الحنابلة، فهم يعتبرونها في مرتبة القياس، أو على التحقيق ضرباً من ضروبه، والقياس لا موضع له حيث النص، بل حيث فتوى الصحابي، بل حيث الخبر الذي لا يصل إلى مرتبة الصحيح أو القوي؛ ذلك بأن أحمد رضي الله عنه قد قرر أن الخبر الضعيف أحب إليه من القياس، فتبعه أكثر الحنابلة على ذلك، ومن كان من المنسوبين إلى الحنابلة يرى غير ذلك الرأي فقد شذ عنهم، وسلك غير سبيل إمامه، وسنتكلم عنه في الطائفة الأخيرة.

(الطائفة الثالثة) وهي تأخذ بالمصالح المرسلة، وتقفها موقف المعارضة للنصوص وأولئك فريقان، المعتدلون المقتصدون في الأخذ بالمصالح، وهم أكثر المالكية يأخذون بالمصالح المرسلة، ويخصصون بها النصوص التي لا تكون قطعية في دلالتها أو التي لا تكون قطعية في ثبوتها، فيخصصون العام في القرآن أحياناً بالمصلحة وتقف

303