﴿جَاعِلُكَ﴾: الأصل جاعلٌ إياك، إلا أنه مَهْما قُدِر على المتصل لم يؤتَ بالمنفصل، وحُذِفَ التنوين لشدة اتصاله به.
﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: الجمهور على نصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ وهو الوجه، لأجل الرسم على أن الفعل لـ ﴿عَهْدِي﴾، وقرئ: (الظالمون) بالرفع علي إسناد الفعل إليه (١)، والقراءتان بمعنىً، لأن ما نالك فقد نِلتَه، فالنَّيل مشتمل على العهد وعلى الظالمين (٢).
قيل: والمعنى: من كان ظالمًا من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال من كان عادلًا بريئًا من الظلم (٣).
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾:
قوله ﷿: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾: عطف على قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾، ﴿الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾: مفعولان لجعل، لأنه بمعنى صيّر. وأصل مثابة: مَثْوَبَةٌ بوزن مَفْعَلَةٌ، من ثاب يثوب مثابًا ومثابة، إذا رجع، فنقلت حركة الواو إلى الثاء، وقلبت الواو ألفًا حملًا على. ثاب، والهاء في مثابة للمبالغة عند أبي الحسن، كعَلَّامة ونَسَّابة، لكثرة من يثوب إليه (٤).
وعن الفراء، والزجاج: المثابة والمثاب بمعنى (٥). فمن أَنَّثَ أراد البقعة، ومن ذَكَّرَ أراد الموضع، كما قيل: مقام ومقامةٌ، فعلى الوجه
(١) نسبت إلى عبد الله بن مسعود ﵁، وأبي رجاء، والأعمش، وقتادة، وطلحة بن مصرف. انظر معاني الفراء ١/ ٧٦، وإعراب النحاس ١/ ٢٠٩، والمحرر الوجيز ١/ ٣٥٠، والقرطبي ٢/ ١٠٨.
(٢) انظر معاني الفراء ١/ ٧٦، ومعاني الزجاج ١/ ٢٠٥.
(٣) قاله الزمخشري في الكشاف ١/ ٩٢.
(٤) انظر معاني أبي الحسن الأخفش ١/ ١٥٤، وحكاه عنه النحاس ١/ ٢١٠.
(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٧٦، ومعاني الزجاج ٥/ ٢٠١ - ٢٠٦.