527

Duroos Al-Sheikh Sayyid Hussein Al-‘Afani

دروس الشيخ سيد حسين العفاني

تفسير قوله تعالى: (يتيمًا ذا مقربة أو مسكينًا ذا متربة)
قال الله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٥] أي: يتيمًا من أهلك، ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦] والمسكين هو الفقير.
«ذَا مَتْرَبَةٍ» يعني: كأنه لصق بالتراب، فلا يوجد لديه شيء.
فقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٥] يدل على أن أول شيء هو صلة الأرحام، ثم صلة اليتامى الأقربين، ثم بعد ذلك صلة يتامى المسلمين.
ومراد الله من عباده لين قلوبهم ورقتها، فإذا رق القلب أتى منه كل خير، وإذا قسا القلب أتى منه كل شر، والرسول ﷺ يقول: (إن الله يدخل أقوامًا الجنة أفئدتهم مثل أفئدة الطير).
قال الإمام النووي: في رقتها وفي لينها وفي توكلها على الله ﵎.
ومن الأسباب لرقة القلب ما قاله المصطفى ﷺ: (إذا أردت أن يلين قلبك وتدرك حاجتك -أي حاجة- فامسح رأس اليتيم، واطعمه من طعامك، واسقه من شرابك، يلن قلبك، وتدرك حاجتك).
وعندما يكون الإنسان صالحًا يتكفل الله بأولاده، قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢]، وقد يمر على أولادك ما يمر على يتامى المسلمين فاتق الله ﵎، ولذلك يقول ﷺ: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وكما قال رسول الله ﷺ: (من لا يرحم لا يرحم)، والمصطفى ﷺ يقول: (قد غفر الله لبغي -وفي رواية: لمومسة أي: زانية- من بني إسرائيل وجدت كلبًا يكاد أن يأكل التراب من شدة العطش، فنزعت موقها -أي: خفها- ثم حملت به الماء حتى سقته، فغفر الله لها).
والله ﵎ غفر لامرأة زانية؛ لأنها لما وجدت رضيعيها يبكيان أسندتهما إلى صدرها، فقال الرسول ﷺ: (إن الله غفر لهذه برحمتها بولديها، وإن الله لا يقدس أمة لا ترحم ضعيفها).
والمصطفى ﷺ يقول: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، ومن الذي لا يريد أن يكون قريبًا من المصطفى ﷺ؟! وسيدنا أنس كان يبكي ويقول: (يا رسول الله! إن كنت معنا فرحنا بك، وإن غبت عنا اشتقنا إليك، فتذكرت مقامك في الجنة مع النبيين فآلمني هذا الأمر وشق علي فبكيت، فلما نزل قول الله ﵎: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] يقول سيدنا أنس: فوالله ما فرحنا بآية مثل فرحنا بهذه الآية).
وقال المصطفى ﷺ: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)، فإذا أردت أن تجاهد في سبيل الله فأد حق اليتامى والمساكين والأرامل.
والمصطفى ﷺ يقول: (كافل اليتيم له أو لغيره معي كهاتين في الجنة).
فيتامى المسلمين كثيرون، ومن أكل طعامًا أو فاكهة وأطفال جاره يتضاغون من الجوع فليس على سنة المصطفى في ذلك، قال النبي ﷺ: (ليس منا من بات شبعان وجاره جائع).
وسيدنا عمر سجن الحطيئة لأنه كان يشتم الناس، فبعث إليه بيتين من الشعر فبكى سيدنا عمر بسبب هذين البيتين، وعفا عنه، وهما: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قاع مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر فسيدنا عمر بكى، وهذا من رقة قلبه، لأنه قال في الشعر: زغب الحواصل لا ماء ولا شجر أي: لا يوجد شخص يسأل عليهم.
ولو كل الناس ينفقون على اليتامى فإن الله تعالى يبارك في المال، قال النبي ﷺ: (ما قل مال من صدقة)، وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧].

29 / 15