دولة بني رسول
دولة بني رسول
ومن وصية المهدي -عليه السلام-: وبعد فهذه وصيتي لأولادي وأهلي والاخوان، أوصيهم بمراقبة الرحمن، وأحذرهم من اتباع الهوى والشيطان، وآمرهم فيما بينهم بالتعاطف والبر والإحسان، وأن يبروني بما أمكنهم من القربات ويشركوني في صالح الدعوات، ومنها: وليحذروا كل الحذر من سؤال المخلوقين وليكن سؤالهم لحوائجهم مقصورا على خالقهم، وإياهم ثم إياهم ثم إياهم من اعتماد ما قد كثر اعتماد كثير من أهل البيت عليه من دورة البلدان بطلب البر فالأرجح عندي[542] أن ذلك محرم تحريما غليظا لما قد ورد في سؤال المخلوقين من التشديد وكفى بقوله ((من فتح بابا من السؤال فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر))،(1) فالحذر كل الحذر، وليعلم الوصي أن الذي تركناه من سلاح وبز(2) ودراهم إنما هو لبيت المال ما للورثة منه شيء قط، وقد الزمناه أن يصرفه في مصلحة عامة(3) يعود نفعها على المسلمين عامة وذلك بأن يتملك عرصة بشراء أو غيره ثم يسبلها مسجدا إلا قدر موضع القبر منه الذي من شأننا ويعمره على حسب ما في يده مما خلفناه ويتخذ جانبه مشهدا منفصلا يجعل فيه خزائن كتبنا ويقيم عليه من أولادنا وإخواننا أقواهم بصيرة، وأزهدهم في الدنيا فنحن نرجوا أن يفتح الله على من التزم مجاورتنا بكفايته وطاعته ويجعل ما فضل لعمارة المسجد لعمارة مصلحة من منهل أو منزل لمن يقف للقراءة ولمن يبيت من الوافدين، فإن فضل شيء أخذ به مستغلا يعود نفعه على المشهد، وليس للوصي ولا غيره مخالفة ما ذكرناه، فإن تبيين الإمام ما في يده من بيت المال لصرف معين يحرم مخالفته كما يحرم مخالفته فيما سبله بيت المال وإن لم تكن ولاية في الملك فولايته كولاية المالك، ومن ثم صح أن يبرئ ويقف ويتصرف في قرض وإعارة وإجارة ورهن وغير ذلك فلا يقول القائل أنه إذا مات فقد بطلت ولايته فيما خلفه من بيت المال فلا حكم لتعيينه مصرفا له من بعده، لأنا نقول تعيينه في حكم تسبيله فلا يجوز تغييره كما لا يجوز تغيير تسبيله وهذا القرطاس لا يحتمل الاحتجاج.
ومن كتاب له -عليه السلام- جوابا على السيد الأفضل علي بن محمد الحمزي:
أما قوله بسلامته: أن آخر أمورنا إلى البطلان فينبغي ترك هذه الأمور فيا ليت شعري ما الذي أشار علينا بتركه، هل ترك الجهاد بالسيف والسنان لتعذره، فقد تعذر علينا لعدم الناصر فصار متروكا أم أراد أنا نترك دعاء الناس إلى الحق وتعريفهم ((1) بأهل الباطل وأن الله تعالى قد أسقط عنا هذه الفريضة بإعراض الناس عنا مسلميهم ومجرميهم فطوبى لنا لو كان الأمر كذلك، فبالله قسما لو علمت أن الله تعالى لا يسألني عن ذلك لبادرت إلى أولادي الذين قد كادت تقطع الأكباد من فرقتهم وحرقة قلوبهم ومسيرهم غرباء عن والدهم لكن مهما أمكن الإنسان الوقوف في أرض يجهر فيها بكلمة الحق ومنابذة أهل الباطل قولا واعتقادا لم تجز له الإقامة حيث يحتاج فيه إلى كتمان الحق ومداهنة أهل الباطل بالسكوت عنهم فإن الجهاد باللسان في الوجوب [كالجهاد](2) بالسيف والسنان.
قال الله تعالى لنبيه: {وجاهدهم به جهادا كبيرا}، أي بالقرآن ومن هذا الكتاب أيضا: وقد علمت أن القاسم بن إبراهيم -عليه السلام- لم يبق معه إلا رجلان ولم يزل على منابذة الظالمين حتى مات بجبل الرس وقد طبخ الدم من الجوع وترك لذات الأمصار، ومنه أيضا: وعلى الجملة فإن تم لنا ما نرجوه وإلا فتكليفنا [مهاجرة](3) [543] الظالم والدعاء إلى طاعة الله لو وصلنا خلف البحر مهما وجدنا لذلك مكانا يمكننا فيه التكلم بالحق وإنكار الباطل باللسان ولم يبق من العمر إلا اليسير وقد ذهب الكثير، هكذا حكاه مصنف سيرته -عليه السلام-.
مخ ۶۵۹