517

بحر مديد په تفسير قرآن مجيد کې

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ایډیټر

أحمد عبد الله القرشي رسلان

خپرندوی

الدكتور حسن عباس زكي

شمېره چاپونه

١٤١٩ هـ

د خپرونکي ځای

القاهرة

إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
وهم المخلصون. قال أبو بكر الصديق ﵁: (لو كتب ذلك علينا لكنت أنا أول خارج) . قال ثابت بن قيس بن شماس: (لو أمرني رسول الله ﷺ أن أقتل نفسي لفعلت) . وكذلك قال عُمر وعمارُ بن ياسر وابنُ مسعود وناس من أصحاب رسول الله ﷺ: لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «إنَّ مِن أُمَّتِي رِجَالًا:
الإيمَانُ في قُلُوبِهِم أثبَتُ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي» . فهؤلاء من القليل.
وسبب نزول قوله: فَلا وَرَبِّكَ.. الخ: قضية الزُّبَيرِ مع حَاطِب في شرَاج الحَرَّة «١»، كَانَا يسقيانِ به النّخل، فتخاصما إلى رسول الله ﷺ فقال ﵇: «اسقِ يا زُبيرُ وأرسِل إلى جارِكَ»، فقال حَاطبُ: لأن كَان ابن عمتك.
فقال- ﵊: «اسقِ يا زُبيرُ، واحِبِس الماءَ حتَّى يبلغ الجدر «٢» واستوف حقك» . وقيل: نزلت في اليهودي مع المنافق المتقدم، وهو أليق بالسياق.
وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من طاعة الرسول، والرضى بحكمه، لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ في آجلهم وعاجلهم، وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا في دينهم وقوة في إيمانهم، أو تثبيتًا لثواب أعمالهم، وَإِذًا لو فعلوا ذلك لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس، ودوام الأنس، ويفتح لهم أسرار العلوم، ومخازن الفهوم، قال ﷺ: «من عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ علمَ مَا لم يعلم» . والله تعالى أعلم.
الإشارة: كما أمر الله بطاعة رسوله ﷺ في حياته، أمر بطاعة ورثته بعد مماته، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون في الأحكام، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام، فالعلماء حُكَّام على العموم، والأولياء حكام على الخصوص، أعني من تعلق بهم من أهل الإرادة، فمن لم يرض بحكم العلماء، ووجد في نفسه حرجًا مما قضوا به عليه، ففيه شعبة من النفاق، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم، ومن عُش تربيتهم، لأن حكم الرسول- ﵊ وحكم ورثته هو حكم الله، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان.
فلا يَكمُلُ إيمَانُ العَبدِ حتَّى لا يجد في نفسه حرجًا من أحكام الله، القهرية والتكليفية، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية، كيفما كان، فقرًا أو غنى، ذلًا أو عزًا، منعًا أو عطاء، قبضًا أو بسطًا، مرضًا أو صحة، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرَا وباطنًا، وينسلخ من تدبيره واختياره إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه، وأرحم به من أمه وأبيه: وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.

(١) الشراج: جمع شرجة، وهى مسيل الماء من الحرّة إلى السهل، والحرة: هى الأرض ذات الحجارة السوداء.
(٢) الجدر: أي: الجدار الذي يحيط بالمزرعة، وهو أصغر من الجدار. [.....]

1 / 523