بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
وعصمة المؤمنين غير المعصومين كل فرد كالأنبياء عليهم السلام والأربعة عليهم السلام ونحوهم، فقد تقدم حكم أولئك أنه لا يصدر منهم فعل كبيرة عمدا عالمين بها أو مما لا يعذر المكلف في جهله، كأصول الدين، فعصمة المؤمنين غيرهم أن لا يتركوا التوبة عن عمد المعاصي التي علموها معصية لله تعالى عن دليل منه تعالى قاطع وأنهم فعلوها عالمين بكونها معصية كذلك وفي ذلك يقول الله تعالى [194ب] في حقهم ناهيا لهم عن الرياء المتزايد لسبب الآجال أو غيرها وآمرا لهم تعالى بالتقوى مخبرا في ذلك بعدم عصمتهم من فعل هذه كلها إلا أنهم إن صدرت منهم الكبائر تابوا وأقلعوا في اعتقادهم فلا يخرجون حينئذ عن الإيمان إلا في حال فعل الفاحشة عمدا، ثم يعود لهم رسم الإيمان ومعناه في التوبة ويكون عوضا عما حبط عليهم ويعود لهم الإيمان والعدالة من غير اختبار في شيء من شهادة مال أو جرح أو قصاص أو صلاة خلفهم أو غير ذلك، بل في ساعة توبتهم وعقبها فورا يقول الله تعالى في ذلك كله وأن عصمتهم بعدم الإسراف في وقت التكليف ولو قبل حضور الموت وإن صاروا أعداء له تعالى حتى يتوبوا: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين}(1) {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون}(2) {سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين}(3) وتفسير هذه الآية الكريمة واضح فيما ذكرناه أولا من أن عصمة المؤمنين أن لا يصروا على معصية يعلمونها عن دليل قاطع معلوم متعمدين فعلها وأنهم لا يخرجون عن الإيمان إلا حالة فعلها وحالة الإصرار عليها، ثم عقيب التوبة فورا يعود لهم الإيمان وأحكامه في جميع الأحوال من غير اختبار بساعة واحدة لقوله تعالى فيها في صفة المؤمنين كذلك: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} فأثبت الله تعالى الإيمان لهم مع الذكر والاستغفار وعدم الإصرار ولم يفصل بقوله تعالى: {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون...الآية}(1) وهي محكمة إجماعا ودلت على تحريم الربا النسيئة والحاضر وأنه يخرج عن الإيمان وأن الربا والمضاعفة وهي الزيادة على رأس المال قليله أو كثيره لأي علة أو لا لعلة لقوله تعالى فيها ناهيا : {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله} يعني تعالى واتقوا الله بتركه وغيره من المعاصي الكبائر وعلى وجوه ملازمة التقوى بقوله تعالى آمرا {واتقوا الله} وأن الفلاح وهو الفوز بالجنة والحكم بها مترتب عليه بقوله تعالى: {واتقوا الله} ثم رتب الفلاح على التقوى بقوله تعالى بعد الأمر بالتقوى: {لعلكم تفلحون}والتقوى هو الإيمان والانقياد لله تعالى في جميع الأحوال وعلى وجوب تذكر ما أعد لمن كفر بالله تعالى أو لم يشكر على النعمة عند طموح النفس إلى فعل القبائح المستلذات بقوله تعالى محذرا: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين}(2) وعلى أن الطاعة إذا عملت لوجه الله تعالى ورهبة من عقابه لا تخرج [195أ] بذلك عن كونها دين خالصا يقبله الله تعالى بقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ...الآية}(3) وذكر الله تعالى ذكر حقه تعالى وعظمة مقامه تعالى.
مخ ۲۷۱