750

بدر منیر

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

فصل وما ظن المكلف حسنه وكان مما لا يعذر المكلف البالغ العاقل في جهله، كأصول الدين ولم يقصر في البحث ثم فعل غير متعمد لمخالفة مراد الله تعالى، ثم علم بعد ذلك أن مراد الله تعالى خلاف فعله بدليل معلوم لم يكن ذلك الفعل معصية تجب منها التوبة ولا هي محبطة ولا كبيرة وكذلك ما فعل من الكبائر غير عمد بل سهوا أو سبقا أو قصد الجائز أو الواجب فوقع في الحرام ذلك كله ليس بمعصية تجب من التوبة ولا هي كبيرة ولا ملتبسة بين كبر وصغر وسواء ترك التحرز من قبلها أو لم يترك إذا لم يصاحبها العمد وسواء ظن أنه بعدم التحرز وفعل الجائز يقع فيها أو لا ما لم يعلم، وعلى هذا التنزيل والوجوب تحمد معاصي الأنبياء عليهم السلام كآدم عليه السلام في أكله من الشجرة بعد حلف إبليس الملعون له أنه له من الناصحين غير مريد له خلاف رضوان الله تعالى خالقه رب العالمين، فأكل ناسيا للتحذير من الله تعالى من عدوه تعالى إبليس وعدو رسوله آدم عليه السلام وزوجته حوى -عليهما السلام فقال تعالى في آدم عليه السلام في شأن المعصية بالمخالفة: {فنسي} يعني تعالى فنسي آدم عليه السلام نسى الوصية بالتحذير من الشيطان حال مقاسمة الشيطان لهما أنه لهما من الناصحين، ثم قال تعالى: {ولم نجد له عزما} يعني تعالى لم يعزم على تعمد مخالفة ما يريد منه من ترك أكل الشجرة وطاعة عدونا وعدوه إبليس اللعين، والصحيح أن إبليس لعنه الله تعالى ظهر لآدم وحوى ورأيا شخصه، وظهوره معجزة لرسول الله ونبيه آدم عليه السلام مثل ظهور الملائكة ورؤيتهم حين رآهم آدم عليه السلام [193أ] وأخبرهم بالأسماء التي خصه الله تعالى بها حيث قال تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} ثم قال تعالى بعد ذلك وعجز الملائكة وجهلهم لها: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} وهذا دليل وغيره أن آدم رسول إلى الملائكة في هذا الإنباء بالأسماء ولا مانع من هذا الظهور من إبليس لآدم عليه السلام ويحتمل أنه لم يظهر لآدم شخصه إذ لو عرفه ولم ينس التحذير منه لم يغتر به ولكنه كلم آدم عليه السلام فسمع كلامه من ذلك المكان ولم ير شخصه كما قال الله تعالى في ذلك كذلك: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم}(1) ويحتمل أنه رآه على خلقه الذي خلقه الله تعالى عليه إذ كان آدم عليه السلام لا يستوحش من رؤية الملائكة على صورهم بخلاف بني نبيه ولم يعرف آدم أنه إبليس الذي حذر الله تعالى من خدعه أو عرفه ولم يعرف أنه قصد بذلك خدعه أو لم يعرف آدم عليه السلام أن أكل الشجرة من جملة ما أراد إبليس عداوته به مع نسيانه للنهي من الله تعالى عنها نهي تحريم ومفسدة، ولكن الظاهر مع المقاسمة أنه ظهر لهما أو كلمهما من مكان محجوب وليس ذلك بمجرد الوسوسة فقط؛ لأن الوسوسة أمر خفي والأنبياء عليهم السلام معصومون عن تأثيرها فيهم ما يتعبهما وينقص ثوابهما، إذ قد عرف إبليس لعنه الله أنه لا يلقي الله تعالى تعب الدنيا إلا على من لم يخالف في صغير ولا كبير.

مخ ۲۶۱