بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
باب في الإحباط (الإبطال) وأحكامه الإحباط: الإبطال [189ب]أي: إبطال في اللغة، وفي الشرع: إبطال الأعمال الصالحة حكما لمخالفة ما عليه دليل قاطع عمدا عالما بالمخالفة أو مما لا يعذر المكلف في جهله كأصول الدين وما يلحق بها من فروعه من فعل قبيح أو ترك واجب متضيق ذلك الواجب، وفي ذلك الإحباط وثبوته عند الله تعالى بتلك المخالفة على تلك الصفة يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} يعني تعالى لا تبطلوا أعمالكم بمخالفة الله تعالى ومخالفة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذلك معلوم بدليل أنه تعالى قال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} ثم قال تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} وليس بطلانها إلا بطلان حكمها بالمخالفة في بعض الأحوال إذ لو كانوا مبطلين بكل الأحكام لم يثبت تعالى لهم الإيمان قبل ذلك بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} إذ لو كانوا غير مطيعين في جميع الأحوال كانوا كافرين، فثبت أن المقصود لا تبطلوها بالمخالفة عمدا لما علمتم من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم غير مستحلين، ويقول تعالى: {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} أي: لا تشعرون أن الذي تعمدتموه عالمين بأنه معصية لله تعالى ولرسوله تحبط أعمالكم الصالحة وهو يحبطها عنده تعالى ويخرجون به مع العمد إلى خلاف الحق المعلوم عن الإيمان إلى الفسوق والعصيان، ولذا قال تعالى: {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} أي يعني تعالى جرمه خارج عما يرد تعالى منكم لا يتسامح به، وهو في هذه الآية أي: {تحسبونه هينا} قذف المحصنات، ولا فرق بين الرجال والنساء وسماع ذلك بغير إنكاره على فاعله باللسان أو الحد مع الشهود غير نفسه إن كان إمام حق، إذ لا يحل أن يحد بعلمه بل بالشهود وغير نفس المشاهد إن كان المشاهد خصيما، وقال تعالى: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} فهذا ضرب مثل من الله تعالى لمن يحب ويريد أن يكون من أهل الجنة ولم يعمل عملهم في الدنيا بأن يصون الطاعة مما يبطلها ويفعلها، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} ويقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} ويقول تعالى: {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم}(1) ويقول تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} ويقول تعالى: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون}[الأنبياء:94] فهذه بصريحها دلت على الإحباط وهي قطعية المتن والمعاني لا يدخل على معانيها ولا متنها نسخ ولا إبطال فيما دلت عليه في أهله الذين ذكروا فيها إجماعا، وهو لا يمكن تأويلها إلا بمخالفة أهل الحق واتباع أهل الزيغ بإجماع المسلمين والمؤمنين بأن تكون في الكفار فقط، [190أ] بل دلت بصريحها على أن ذلك الإحباط في المخالفين عمدا في القاطع المحكم أو ما لا يعذر المكلف في فعله من المسلمين سواء كان الموت مع العصيان أو مع الإيمان، بل يحبط باعتبار الحال ما مضى قبل المعصية المحبطة وقبل التوبة عنها سواء علم الله تعالى أن صاحبها يتوب أو لا يتوب، فيكون عدوا لله تعالى حتى يتوب حابطا عمله كذلك، ولو علم الله تعالى أنه يعود إلى ولايته تعالى بالتوبة في وقت التكليف، فإذا تاب صار وليا لله تعالى وكانت التوبة عوضا لما فات عليه من قبول الطاعات وفي ذلك يقول الله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمسون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها ساءت مستقرا ومقاما * والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما * والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما}(1) يعني تعالى يبدلها حسنات بشرط التوبة والعمل الصالح مصاحبا للإيمان مجانبا لما يحصل به الفسوق والعصيان إن بقي بعد التوبة حتى تتضيق عليه الأعمال المفروضة، فيكتب الله تعالى له مكان السيئات كتب الحسنات، ويجعل تعالى في كل ندم عن معصية حسنة على قدر الندم على الجملة أو على التفصيل، فهذا معنى تبديل السيئات حسنات، وليس المقصود أنه يثيب تعالى على نفس السيئات مع التوبة ويرد ما حبط من الصالحات إذ لا دليل يفيد العلم برد ما قد فات بالإحباط، وقد قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}(1) وقال تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا}(2) وقد حبطت الأعمال وبطلت بالمعاصي العمد المعلومة بيقين الأدلة القطعية، وبدلت الأعمال تبديلا باعتبار عوض التوبة عنها بيقين الأدلة القاطعة، فلا وجه لمن شرط الإحباط بالموت على المعصية من كفر أو فسق.
قالوا: قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} فرتب تعالى إحباط العمل والخلود في النار على الموت كافرا بقوله تعالى: {فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} فمفهوم الآية الكريمة أنه لو تاب قبل الموت لم تحبط طاعاته التي قبل المعصية وأنه لا يحكم ببطلان حكمها في الأجر والثواب إلا بشرط الموت على الكفر، فقوله تعالى: {فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} دل ذلك على أن المعاصي لا تبطل ثواب الطاعات التي قبلها وبعدها قبل أن يموت فاعلها إلا إذا مات غير تائب.
مخ ۲۴۶