بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
{وإن كان مثقال حبة من خردل} أي: وإن كان العمل في القلة من المؤمن من عمل الخير يساوي عوضه من الجزاء مثقال حبة من خردل لقلته لم يضيع ولم يهمل، وإن كان الألم لمن لا يستحق يساوي عوضه مثقال حبة من خردل لم تضع ولم تهمل، وإن كان عمل الشر من الفاسق الذي مات مصرا على فسقه يساوي جزاؤه مثقال حبة من خردل من العقاب لم يضيع ولم يهمل، وإن كان أي مظلمة على المكلف معه لأخيه كائنا من كان مؤمنا أو فاسقا أو غير جنسه من المخلوقين أهل الأرواح مات المظلوم ولم يصدر فيها عوض لمن كان من العقلاء، وأما غيرهم فلا حكم للعوض بل هي باقية مطلقا أو له مظلمة على أي أولئك وإن كان مثقال حبة من خردل يعني تساوي الجزاء عليها من خير أو شر أو نقص عقاب أو زيادة ثواب، وقد تقدم ذلك مفصلا مثقال حبة من خردل لم تضيع عن الذكر والإخبار به والجزاء عليه بذلك، فمثل الله تعالى ذلك الاستقصاء بأقصى ما يكون للشاهد من وضع الميزان، وليس هناك ميزان على الحقيقة له كفتان ولسان كما نشاهد في الدنيا؛ لأن القسط بالوزن في الآخرة الاستقصاء من الله تعالى على حسب العدل والحكمة وقد حصل، والوزن على قول من قال أن هناك ميزانا على الحقيقة غير ما قلنا، وموزونا على الحقيقة، والعالم ينتظرون تمام ذلك في المحشر على زعمه، فهذا القول محال؛ لأنه إما أن يقول: إن الموزون كذلك ذوات الأعمال والآلام، وكل ذلك لا يمكن وزنه على الحقيقة؛ لأن العمل والألم معاني لا يمكن في العقل وزنها ولا يتصور، وقد مضت صورة علاجها في أيام الدنيا، وانقضت أعراضها؛ ولو كانت باقية لكان الآلام ومعالجة الطاعات في أهلهما باقيا غير منفصل؛ لأن العرض لا ينفصل إلا بعدمه المحض الذي هو البطلان حتى لا يكون العرض شيئا؛ فإذا كان لا يتصور وزن الأعمال لما ذكرنا بطل وزنها على الحقيقة، وإن قالوا: إن الموزون جزاؤها من جنة أو نار؛ فكيف يخصون بالوزن ما لا يحصى ولا ينقطع، وإن قالوا: الموزون الأسماء دون المعاني؛ فكيف يتصور عقلا وزن الاسم بالقول على الحقيقة وهو معنى، وإن قالوا: الوزن الاسم مكتوبا في ورق، خرجوا عن وزن ما قصدوا من الخير والشر ولا فائدة في ذلك أي: وضع الورق المكتوب فيها أسماء ما فعلوا في الميزان؛ لأن ذلك ليس المقصود من الوزن [189أ] بالقسط، بل الجزاء والذكر بالحساب للقليل والكثير؛ فإذا استحال الوزن الحقيقي بقي ضرورة الوزن التمثيلي وهو الاستقصاء بالذكر، والجزاء والدليل على ذلك كذلك غير ما ذكرنا استحالة الحقيقي وأن الاستقصاء المقصود على وجه الحكمة والعدل حتى يكون حقا قوله تعالى: {والوزن يومئذ الحق} ففسر تعالى الوزن الذي يسبق فيه الذهن إلى الحقيقة الموزونة في ذات الكفتين من الأجسام بغير تلك الحقيقة، فقال تعالى: {والوزن يومئذ الحق} الذي هو الاستقصاء بغير جور ميل ولا حيف على ذي روح، فدلت هذه الاستحالة، وقوله تعالى: {والوزن يومئذ الحق} على بطلان الموازنة حقيقة، والوزن حقيقة كوزن الأجسام في الدنيا وأن ذلك تمثيل منه تعالى لعدله تعالى.
مخ ۲۴۰