724

بدر منیر

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

وأما السمع فقد أخبر الله تعالى بالبعث منه لجميع أهل الأرواح أحياء بعد فنائهم، وتبديل الأرض غير الأرض والسماوات تبديل صفة كما تقدم، وأخبر تعالى أنه تعالى يبعثهم كذلك، وللأعواض التي لا ألم بعدها لمن لا يستحق الألم من المؤمنين والأطفال والبهائم والطيور وكل ذي روح [184أ] غير عاقل، وللعقاب للعقلاء المخالفين الحق بعد قيام الحجة عليهم في الدنيا بالعقل وتبيين الله تعالى على ألسنة الرسل والأنبياء بعد معرفة أنهم رسل الله تعالى وأنبياؤه لما جعل الله تعالى على أيديهم ولهم مما يعجز عن مثله جميع البشر وغير البشر من الخلق غيرهم، فأخبر الله تعالى بذلك من فعله تعالى كذلك ولذلك في مواضع متعددة فأخبر تعالى أنه إن لم يفعله كان خلقه تعالى لهم وللسماوات والأرض وما بينهما عبثا والعبث قبيح عقلا وهو تعالى غني حميد ، وأن خلق السماوات والأرض باطل لو لم يفعله كذلك، وأخبر تعالى أن عدم التفرقة بين المطيع الذي يموت على الإيمان وبين الكافر والفاسق الذي يموت على عصيانه له تعالى بأن لا يكون بعث لثواب المطيع وعقاب المسيء فيستويان قبيح عقلا وخلاف الحكمة وهو تعالى حكيم قطعا، والحكمة أوجبت البعث لذلك فوجب القطع بالبعث لذلك، وفي ذلك كله يقول الله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون}(1) ويقول تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد}(1) ويقول تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم}(2) ويقول تعالى مخبرا بالفرق بين من تبع شريعة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المؤمنين وبين من عند عنها من العاصيين وأنه تعالى لو لم يبعثهم تعالى للتفرقة في يعقاب هذا وجزاء هذا بالثواب لكان ذلك حكما سيئا قبيحا، فقال تعالى في ذلك كذلك: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين * هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون}(3) فأخبر تعالى في ذلك أنه ولي المتقين، فهو تعالى يفرق تعالى بينهم وبين العصاة باعتبار ولايته تعالى بالثواب الذي لا ينقطع، وليس ذلك إلا في الأخوة فوجب البعث لهم إحياء لذلك؛ لأن كل الدنيا لزوالها وانقضائها بالموت ليست محل ثواب الله تعالى لأوليائه؛ لأن ثوابه تعالى لأوليائه على ولايتهم له تعالى واختيارهم طاعته تعالى على ما تهوى نفوسهم من القبائح أعظم من أن ينقطع بموت أو ينقص وليس ذلك إلا بعد الموت والبعث لهم أحياء وأن العصاة لو لم ينلهم تعالى أليم عقابه على معاصيهم مستمرا لكان تعالى قد ساوى بينهم وبين المطيعين في ترك العذاب وقال تعالى في ذلك مع ما تقدم نافيا للمساواة بينهم أي الفريقين في الآخرة: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون * وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون}(1) فأخبر تعالى في ذلك بخلاف حسناتهم وأنه تعالى لا يصح نسبة المساواة بين الفريقين إليه تعالى، وقد خلق[184ب] تعالى السماوات والأرض بالحق وهو العدل الذي هو لقصد أن يخلق تعالى فيهما من يعبده تعالى ثم يثيبه تعالى على العبادة بعد حصول الفرق بالموت بين الدنيا والآخرة، ويفرق تعالى بين الفريقين المطيع والعاصي بعد الفرق بين الدارين للموت، فأخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض لذلك الحق الذي هو عبادته تعالى في الدنيا، والحكم على من خالف ما يحصل به الفرق بين المطيع والعاصي من العذاب الدائم للعصاة في الآخرة والثواب الذي هو الجزاء الذي لا ينقطع للمؤمنين في الآخرة فقال تعالى في ذلك: {ولتجزى كل نفس بما كسبت} أي: من خير وشر {وهم لا يظلمون} وقال تعالى: {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب * وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار * كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليذكر أولوا الألباب}(2) فأخبر تعالى أنه لو لم يعذب الذين نسوا يوم الحساب بإصرارهم على الكفر وما يوجب الفسق أو الكفر، ويفرق تعالى بين أوليائه المؤمنين الذين ماتوا على الإيمان بعذاب العصاة الذين ماتوا مصرين على الكفر وما يوجبه أو الفسق وما يوجبه أن يكون تعالى لو لم يفعل كذلك قد خلق السماوات والأرض وما بينهما من الحيوانات والهوى باطلا أي: عبثا لا حكمة فيه، ثم قال تعالى ذلك أي: اعتقاد خلقهما باطلا بأن لا يعاقب تعالى من عصاه وهو تعالى خالقهما وما بينهما، ويفرق بين العاصي والمطيع بثواب المطيع الذي يموت على الطاعة وبعقاب العاصي الذي يموت مصرا على الكفر أو الفسق، وما يوجب أيهما: {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}(1) فكفرهم تعالى بذلك الظن كفرا إلى كفرهم، ثم أخبر تعالى بإنكاره تعالى مقالتهم وظنهم وأنه تعالى نزيه عن العبث والباطل الذي ظنوه من التسوية بين المطيع والعاصي وبترك البعث للفريقين أحياء للجزاء للخير والشر، فقال تعالى في ذلك لو لم يفعل للكل منهم وبهم ذلك: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار * كتاب أنزلناه إليك مبارك}(2) كثير البركة قاض بصريحه بما يوافق حجة العقل من وجوب شكر المنعم تعالى وقبح الإخلال به وبما يوافق العقل بالفرق بين الولي لله تعالى والعدو له تعالى من جزاء المطيع بالإحسان والعاصي بالعذاب والنسيان وبأن الجزاء لا يكون جزاء وثوابا إلا إذا لم يتعقبه ما يعود عليه بالنقض من فاعله بالموت وإلا لا، وليس ذلك إلا في الآخرة للانتقال بالموت قطعا من دار الدنيا، ثم قال تعالى حاثا لهم على الأخذ بما فيها أي: الكتاب من الهدى إلى الخير: {ليدبرا آياته وليتذكر أولوا الألباب}(1) أي: أهل حجج العقول ما فيه مما يبعدهم عن سخطه تعالى ويدخلهم في رضوانه تعالى.

فصل [في أول من تنشق عنه الأرض]

والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول من تنشق عنه الأرض للبعث حيا لقوله تعالى في حقه [صلى الله عليه وآله وسلم] [185أ]: {وأنا أول المسلمين} يعني تعالى: أولهم عبادة في أمته صلى الله عليه وآله وسلم وأولهم خروجا من القبر بالبعث حيا في جميع المخلوقين وغير ذلك من الخصال الشريفة ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض))(2). [ بياض في المخطوطة ]

مخ ۲۲۱