718

بدر منیر

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

وأما المقيس على ما يشاهدون وهو الخلق الجديد بعد الفناء فإن للذم والقبح عقلا في الإخلال به مدخلا؛ لكون الإيلام بالموت أو القتل في حق العقلاء وذبح الحيوانات غير العقلاء وموتها لم يكن له عوض يخرجه عن قبحه إلى حسنه إلا بعد الحياة التي بعد الفناء، وهذا يدركه بعقولهم جميع العقلاء إذا نظروا بها وتفكروا أطرف تفكر؛ ولهذا قال تعالى بعد تقريره لأمر[182أ] المقيس عليه الذي لا يصح تركه عقلا، وأنه تعالى قد أوجده وتفضل به من خلق السماء، ومد الأرض على وجه الماء، وإمساك السماء في الهواء، وهو أعني الهواء لا يمسك حبة خردل، وإنزال المطر، وإخراجه تعالى بعده الثمار، والأرواح النبات المختلفة التي تكن شيئا، وجعلها تعالى رزقا للعباد، قال تعالى بعد ذلك مبينا لهم: {كذلك الخروج} يعني تعالى: كما ترون المشاهدة هذه من فعلنا كذلك يفعل لكم وبكم الخروج من القبور وأينما تكونون من أقاصي الأرض وأدانيها كاملي الصورة في أي صورة أجزاؤكم ولحومكم وعظامكم جمعناها، وأعدنا إليها الأرواح، قال تعالى في ذلك: {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه* بلى قادرين على أن نسوي بنانه} وقال تعالى : {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} فقد وعد الله تعالى بإحياء الخلق بعد الموت على سبيل القطع، وأن الخلق والحياة جارية قطعا على هذه الأعضاء، واللحوم التي في الدنيا، وأن هذه الأعضاء واللحوم التي كانت في الدنيا أحياء يجمعها تعالى من حيث وقعت، وفي أي موضع صارت، وأن الله تعالى لا يضيع منها شيئا، ولا يعييه تعالى بعد أن حلت فيه الروح عن الإعادة خلقا جديدا أحياه، وأن هذا الفناء يبدد أجزاء في الحيوانات لا فناء عدم محض بحيث يقال أنها لا توجد مجموعة ولا مفرقة في علم الله تعالى في أي موضع ومكان؛ فلا يحل القول بذلك لما قدمنا من الأدلة العقلية والسمعية، ومن ضرورة كون المعاد بالخلق الجديد إيصال الأعواض التي يقبح الإخلال بها غيرها، وذلك الغير عبارة عنها بالقصد، فذلك محال ثبوته على وجه العدل يهملها تعالى ويعدمها تعالى مجموعة ومفترقة حتى تكون لا شيء مما يجعل تعالى خلقا غيرها جديدا حيا ويجعل أعواضها لذلك الخلق الثاني، ويهملها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقد قال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون* فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} وقال تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} وقال تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم تارة أخرى} وقال تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون لحمده وتظنوا إن لبثتم إلا قليلا} وقال تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره* من أي شيء خلقه* من نصطفة خلقه فقدره* ثم السبيل يسره* ثم أماته فأقبره *ثم إذا أنشره} فأطلق تعالى كل هذه النسب وقوعا منه تعالى على جميع المخلوقين المبددين ترابا وعظاما ورفاتا، وأن العدم المحض الذي ليس بشيء لم يجر عليها؛ إذ لو جرى عليها لما نسب تعالى إليها هذه الواقعة على جميع المبدد الموجود أجزاء مجتمعة أو متفرقة، ولكان المعاد غير الأولين لأجل الأولين ولا مصلحة للأولين في ذلك قطعا، فتعالى الله عن قول من وهم بأن فناء الحيوان عدم محض حتى يقال لا يوجد جملة ولا أجزاء أصلا، وأما الله تعالى فإنه قادر على ذلك، لكنه امتنع في العدل عقلا وسمعا كما ذكر.

والقسم الثاني: [182ب] فناء السماوات والأرض، فهو يبدد ويشقق السماء ويبدد حتى لو رآها الإنسان لم ير منها قطعة، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وإذا السماء كشطت}(1) وتفنى صفتهما الأولى، ويرجع الله لها صفة أخرى، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار} أي ظهرت الحيوان جميعها من بين أجزاء الأرض والسماء بإذن الله تعالى، وخلقه وإعادته تعالى لهم خلقا جديدا أحياء يشاهدون أرضا وسماء قد بدلنا صفتاهما، وقال الله تعالى مخبرا أن ذلك فناء السماوات والأرض فناء تبدد وتبديلهما تبديل صفة لا إعدام محض حتى تكونا لا شيء جملة ولا مفترقا، فقال تعالى في ذلك كذلك: {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} وقال الله تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب} وقال الله تعالى: {والسموات مطويات بيمينه} وقال الله تعالى: {وسيرت الجبال فكانت سرابا} وقال الله تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا* فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} وقال تعالى:

مخ ۲۱۰