بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
وإمكان الطاعة لربه تعالى من عمد المعاصي متعمدا مع علمه أنها معصية لله تعالى أو لا يعذر في جهلها، كأصول الدين وأصول الشرائع مما لا يكون صحيح الإسلام كامله إلا به، قال الله تعالى في ذلك آمرا لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو العصاة سواء كانوا كفارا أو فساقا إلى أن يرجعوا إلى طاعته تعالى، والتوبة الصحيحة وحسن الإسلام غير مبالين بما قد صدر، فيترك التوبة خوفا من أن الله تعالى لا يقبلها لأجل كثرة التهور في المعاصي الذي هو الإسراف على النفس ولا آيسين من رحمته تعالى لمن رجع إليه بالإقلاع عن المعاصي كائنة ما كانت، وأنه يصير بعد الإنابة والتوبة الصحيحة العبد المسرف على نفسه بالمعاصي كمن لم يذنب ذنبا والمولود المبتدأ خلقا، فيدخل بتلك التوبة في الصالحين، ويكون حكمه عند الله تعالى أنه من المتقين، ويجب على المسلمين أقصاهم وأدناهم له ذلك الحكم عندهم من المتقين المؤمنين مولاة ظاهرة وباطنة وحرمة دم وعرض ومال، قال الله تعالى آمرا لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو العباد إلى التوبة وأن لهم ما ذكرنا: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين * بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين * ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا بنجاة المتقين وهم التائبون من جميع المعاصي قلت أو كثرت نجاة منه تعالى لا هلكة بعدها، فقال تعالى في ذلك مخبرا بنجاتهم كذلك: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون[180أ]} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا}(1) أي: صحيحة وهي الكاملة، يقال: زرع نصوح وثمر نصوح إذا كان كاملا في الصلاحية ليس فيه آفة من برد أو ضرب ولا عطش ولا خفي شيء من سنبله ولا عطب شيء مما خرج فيه، فالتوبة النصوح هي الكاملة، وإسناد النصوح إلى التوبة إسنادا مجازيا، والإسناد في الحقيقة إلى صاحبها المكلف كذلك التي ليس معها إصرار على معصية الله تعالى يعلم المكلف أنها معصية لله تعالى أو لا يعذر في جهلها، كالمعلوم ضرورة من أصول الدين وأصول الشرائع وما لا يكون الإسلام صحيحا إلا به من التفاصيل لا ماضية ولا في الحال ولا في الاستقبال، وحقيقتها أعني التوبة ونصوحها أن يندم على فعل كل معصية لله تعالى لقبحها على الجملة، وأن يوطن نفسه بالعزم أن لا يعود إلى شيء مما يعلم أنه معصية لله تعالى في المستقبل لقبح ذلك، وأن يوطن نفسه على قضا ما لم يفعله من الواجبات حسب الإمكان، فهذه هي التوبة النصوح التي يصير لصاحبها عند الله تعالى وعند المسلمين حكم الأولياء الصالحين ولو كان قد فعل قبلها أي معصية، وتقبل شهادته في الأموال والنفوس والنكاح ويصلى خلفه من غير اختبار بيوم ولا شهر؛ لأن الله تعالى قد غفر ذنوبه جميعا، قال تعالى في ذلك التائب كذلك: {إن الله يغفر الذنوب جميعا}(1) وقال تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا}(2) وقال تعالى: {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا}(3) وقال تعالى: {ولا تزكوا أنفسكم}(4) أي: تحكموا لها بالطهارة، وأنه لا يصدر منها ذنب؛ فإذا كانت التزكية عن الذنوب لا تمكن إلا بالتوبة الصحيحة ولا يمكن تزكية النفس من كل ذنب سنة كاملة على زعم من اعتبر الاختبار، ولا شهرا، ولا يوما؛ فلا معنى للاختبار حينئذ بعد صحة التوبة في الظاهر، فيجب حمل الباطن على الظاهر ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر))(5) ولا يخلو الاختبار الذي قال به بعض من أصحابنا عن الحرج والغلو وتحميل النفس ما لا يمكن وتكليفها بما لا دليل عليه بل على خلافه، وفي ذلك وأمثاله وأعظم منه يقول الله تعالى: {لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق}(6) ويقول تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج}(1) وإن كان القائلون بذلك من أصحابنا إن شاء الله تعالى معذورين؛ لأنهم لم يتعمدوا خلاف ما أمروا به، فهم في هذه إن شاء الله تعالى من المخطئ المعذور، ولعل ذلك أعني القول باختبار سنة إنما هو تخريج وليس له عند أئمتنا أصل ولا نصوا عليه صريحا وإنما نصوا على التوبة الصحيحة كما نص الله تعالى عليها عليهم السلام ثم قال تعالى بعد ذلك: {هو أعلم بمن اتقى} يعني تعالى: أنه أعلم بمن زكى وتطهر من الذنوب بالتوبة الصحيحة منكم فلا يحتاج تعالى إلى شهادتكم لأنفسكم بأنها زكية طاهرة، ولا يوفق تعالى إيمان أحد منكم وطهارته على قولكم بصحة طهارته وإيمانه أو لم يصح عندكم، بل المتبع قوله تعالى وقول رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقول وصيه [180ب] علي أمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام لعصمتهم وجماعة العترة الطاهرة إلى يوم القيامة في كل عصر بحاله، وجماعة الأمة داخلة فيهم جماعة العترة، فذلك هو الحق المبين، وهم لا يجمعون على خلاف مراده تعالى.
مخ ۲۰۱