695

بدر منیر

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

فصل وإن كان القرآن يعرف معانيه كل عاقل، فأما تأويله ورد معانيه ورد الحوادث إليه وعمومه وخصوصه ومحكمه ومتشابهه ومجمله ومبينه ومطلقه ومقيده وكيفية النسخ وحقيقته وما يصح نسخه منه وما لا يصح وفيما يحمل الأمر على الندب والسنة أو الإباحةوالاستحباب وفيما يحمل النهي على الكراهة أو الحظر، وأين يعذر المكلف عن شيء من الواجبات ويرخص له في ذلك وجوبا أو إباحة، وأين لا يجوز الأخذ بالعذر وأين يجوز، فذلك كله إلى الله تعالى وإلى الراسخين في العلم وذلك لقوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب * ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} فدلت هذه الآيات بصريحها على أن في القرآن محكما في المعنى والمتن، ومتشابها في المعنى دون المتن، ودلت بصريح قوله تعالى فيها بعد قوله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} دال على أن العلماء صنفان، صنف زاغت قلوبهم عن اتباع الحق بعد الإسلام [173ب]والمعرفة واتبعوا المتشابه وتعسفوا تأويل المحكم ليحملوه على ظاهره فلم يقدروا على ذلك إلا لمخالفة الحق والكفر والفسق {ابتغاء الفتنة} أي: فترتب على ذلك ابتغاء الفتنة لأنفسهم ولمن اتبعهم، وصاروا هم وأتباعهم من الذين قال الله تعالى فيهم: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا * ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا}(1) ومن الذين قال تعالى فيهم: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار}(2) ومن الذين قال تعالى فيهم: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على عقبيه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين * يدعو من دون الله}(3) أي: بسبب مخالفته للتأويل الصحيح الذي أمره الله تعالى به ودله تعالى على أهله من الراسخين في العلم من رسول الله محمد المصطفى وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عترته وذريته يدعو ذلك المخالف في التأويل القاضي بكفره أو فسقه وكذلك غيره من عبدة غير الله تعالى بعد دخولهم في الإسلام ثم ارتدوا عنه إلى الكفر لما أصابهم في الإسلام من فتنة التكاليف والفقر {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} وعلماء السوء أهل الزيغ وغيرهم ممن ذكرنا من المرتدين عن الإسلام من التكاليف ونحوها، هم الذين عبدوا الله على حرف، فلما أصابهم وجوب اتباع آل رسول الله محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ارتدوا عنه إلى الكفر لما أصابهم في الإسلام من فتنة التكاليف والفقر واتباع التأويل الذي أهل البيت عليه عليهم السلام وهو التأويل الذي أمر الله تعالى به، فعد أهل الزيغ الاتباع فتنة وانقلبوا على وجوههم إلى اتباع غير أهل الحق، ودخلوا بذلك فيمن خسروا الدنيا والآخرة ممن عرف الإسلام الصحيح وتركه أو يرد بعض أحكامه الواجبة قطعا تكبرا على أهله وخشية أن يكون معه فتنة الاتباع لهم ذلك أي خسران الدنيا والآخرة هو الخسران المبين، وحسبوا أنهم هم ومن اتبعوا من شيوخهم يحسنون الصنع وقد خالفوا الحق ويوم القيامة يهلك التابع والمتبوع، ويتبرأ المتبعون من التابعين فنعوذ بالله من الضلال المبين ثم قال تعالى: {وما يعلم تأويله} يعني تعالى على الوجه المخلص من ابتاع غير الحق ومن كفر وفسق. {إلا الله} أي: فهو تعالى بكل شيء عليم، ثم أخبر تعالى بالصنف الثاني من العلماء المرضيين عنده، المصطفين المختارين فقال تعالى: {والراسخون في العلم} يعني تعالى يعلمون تأويله على الوجه الذي أخبرهم الله تعالى به أنه تعالى يؤوله عليه {والراسخون في العلم} الثابتون فيه، العاملون به في كل حادث، العارفون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الناظرون ببواطن عقولهم، والمتبعون [174أ] أحسن القول ممن شهد الله تعالى ورسوله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لهم بالعصمة وأن الحق معهم إلى يوم القيامة بقوله تعالى: {إنما يريد الله أن ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(1) وحديث السفينة، وإني تارك فيكم من أهل بيت رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذريته وعترته إلى يوم القيامة سلفا بعد خلف كذلك إلى يوم القيامة، فهم وأبوهم رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم الراسخون في العلم بشهادة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى إن الرسخون في العلم الذين هم أولئك رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيت رسول الله محمد المصطفى صلى الله عليه وعليهم أجمعين يؤمنون ويصدقون بالمحكم والمتشابه ويعتقدونه كما أمرهم الله تعالى به من الاعتقاد مصلحة وحكمة وصوابا من عند الله تعالى كله محكمه ومتشابهه، فقال تعالى في ذلك: {يقولون آمنا به} أي: صدقناه واعتقدناه أن فيه حكمة واختبارا ومصلحة وتبيينا للفضل من المفضول ولأهل الزيغ من العلماء من أهل الثبوت منهم {كل من عند ربنا} أي:محكمه ومتشابهه أنزله تعالى وهو تعالى عليم حكيم لا يفعل إلا حكمة وإحكاما وعدلا وصوابا، ومصلحة واستحقاقا تبارك وتعالى، ثم قال تعالى: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} أي: ما يذكر ما يريد الله تعالى من التأويل الصحيح {إلا أولوا الألباب} أي: أهل العقول المستعملون لها في مراد الله تعالى لا المتجانفين إلى الشبهة الآخذون بالمعاذير، الظانون ظن السوء من علماء السوء، ثم أمر تعالى بالدعاء بالاستقامة على التأويل الصحيح وأن لا يحصل خذلان بفعل العبد يوقعه في الزيغ واتباع المتشابه في كل معانيه، فقال تعالى آمرا للراسخين في العلم بالدعاء بذلك فقال تعالى في ذلك آمرا لهم ليثبتوا: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} يعني تعالى: لا تزغها عن اتباع الحق بعد إذ هديتنا بالعقول والتبيين لطريق الحق ومن هو معه من رسولك محمد المصطفى وأهل بيته وعترته وذريته صلى الله عليه وآله {وهبنا لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} أي: هب لنا من لدنك رحمة بتوفيقك لنا بالثبوت على ما تحب من الحق {إنك أنت الوهاب} أي: لكل خير في الدنيا والآخرة، فأصل الخير وفرعه منك، وكل شيء فهو من العبيد تبارك الله وتعالى رب العالمين الرحمن الرحيم.

مخ ۱۷۱