694

بدر منیر

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

قلت: نعم من عدل الله تعالى وأفعاله كلها عدل وحكمة من أنكر ذلك كفر وافترى إجماعا أن لا يحكم لهم بولاية أبدا وهم مقيمون على الظلم، وفي ذلك يقول الله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} ولكن الله تعالى لم يمنعهم منع قهر وغلبة وإبطال قوى، بل خلى تعالى بينهم وبين العباد، وأمر تعالى العباد بالنصرة للمحق وقتالهم امتحانا لهم وتمحيصا للمؤمنين منهم وعقوبة لمن خذل المحقين وتخلف عن إجابتهم بهم من غير أن يرضى تعالى بولايتهم حاشاه تعالى وقد نفى تعالى نفيا جازما بقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} فيتقوى عن الظلمة على العباد بتلك التخلية، فأمر الله تعالى العباد بدفعهم ووعدهم بالنصر إن نصروه سبحانه وتعالى، فقال تعالى في ذلك: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}(1) فلم يفعل كلهم، فخلى تعالى بينهم وبينهم، ومنع تعالى المحقين القليلين بالشهادة إلى الجنة أو منعة من الله في الحياة الدنيا، ولا تزال طائفة أهل البيت عليهم السلام على الحق إلى يوم القيامة إلا من ضل من جهلة الأمراء غير الأئمة فهذه تخلية، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}(1) أي: نخلي بينهم ولا ننصر أيهم على الآخر إلا من ظلم ورجع إلى الحق واستجار بنا منهم وباينهم ورجع إلى الحق فإنا نتولاه بالنصرة دونهم، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أعان ظالما أغري به))(2) فنسبة توليتهم إلى الله تعالى مجازا نسبة تخلية من باب السبب والمسبب أي: تخليته تعالى بينهم ومنعهم بالقول منه تعالى دون القهر يكون ذلك ذريعة إلى أخذ الملك لا حكما ورضا منه تعالى بهم فحاشاه تعالى، وقد قال تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} بل حكم تعالى بنزعه منهم وأن ليس لهم فيه نصيب بقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} وقوله تعالى: {وتعز من تشاء} يعني تعالى تحكم له بالعز بطاعتك والجهاد للظالمين ابتغاء وجهك، وقوله تعالى: {وتذل من تشاء} يعني تعالى تحكم عليه بالذل بسبب معصيته لك، وخذلان أوليائك، والافتخار على الأخيار من عبادك، وإنكار فضيلة أوليائك وأهل بيت نبيك، وقوله تعالى: {وترزق من تشاء بغير حساب[173أ]} لهم والمستحق في الآخرة الصابرين على التقوى مع أنواع البلايا في الحياة الدنيا وفي الحياة الدنيا بالحكم للملائكة والأنبياء والأوصياء وذرية رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعترته بالإمامة والتفضيل والتشريف على غيرهم من أمته صلى الله عليه وآله وسلم كل في منزلته عنده تعالى بغير حساب بأن يحاسبهم تعالى مع الصلاح الذي فيهم حساب أهل النار ومؤاخذتهم بسبب ما زاد لهم تعالى من الفضيلة حيث لم يفعلوا بسببها إلا مثل ما افترض تعالى على غيرهم أو ما افترض عليهم مع تلك الفضيلة العظمى والمحل الأسنى، فله الحمد كثيرا.

ومن التقديم لهم على الخاص والعام والأجر في الآخرة بغير حساب؛ لأن الأنبياء عليهم السلام أشد الناس بلاء في الحياة الدنيا وأعظمهم صبرا فيها ورضى، ثم الأوصياء، ثم صالحي أهل بيت رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم المؤمنين على حسب حكمته تعالى في ذلك، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا}(1) ويقول تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(2) وغير ذلك من الآيات والأحاديث.

فصل

وكل عاقل عربي يعرف معاني القرآن من ظاهره مع التدبر لمعانيه ويعرفه العجم إذا عرف الكلمة العربية منه ما هي في اللغة العجمية وذلك لجلائه وكونه تعالى أنزله على أفصح اللغة العربية المتداولة بين العرب المأنوسة وهو على ظاهره إجماعا إلا لدليل قاطع منه أي القرآن أو السنة المتواترة والمحكمة، يوجب تأويله على خلاف ظاهره باعتبار تقييد، كالإيمان في رقبة كفارة القتل الخطأ ونقصره على أحد معانيه الظاهرة كقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة}(3) فيقصر على الانتظار دون نظر المشاهدة والمقابلة لقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}.

مخ ۱۶۶