بدر منیر
البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير
والقدر قد يكون بمعنى الحكم والتضييق قال تعالى: {فظن أن لن نقدر عليه}(1) أي: ظن أن لن نضيق عليه، ومن النسبة مجازا قوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر}(2) يعني: يسيركم تعالى يجعل لكم قدرة على المسير، ويجعل لكم ما يحملكم من الأنعام والسفن فيهما؛ فكأنه تعالى بذلك يسيرهم من نسبة المسبب إلى السبب، ولو كان هو تعالى المسير لهم على الحقيقة بغير اختيارهم لما أمرهم تعالى بالسير وهو فعله تعالى في قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض}(3) وفي قوله تعالى: {سيروا فيها لياليا وأياما آمنين}(4) ولقوله تعالى: {امشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}(5) فنسب تعالى السير إليهم في قوله تعالى : {امشوا في مناكبها} وبقوله تعالى: {سيروا} ونسب فعله تعالى من رزقه تعالى لهم وإحياءهم يوم القيامة إليه تعالى ويقال: الأفعال لله تعالى التي أمرها إليه تعالى يريد فعلها بالعباد من إحياء وإماتة، وألم وسقم، وزيادة في الخلق ونقص، ليس للعبد في ذلك تصرف، بل أمره إلى الله تعالى، وكل غائب لم قد يحصل ويعلم الله تعالى العبد به فأمره إلى الله تعالى يعني أمر علمه، وفي ذلك كله يقول الله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء}(6) وليس المقصود أني لا أقدر على فعل الخير والشر من أفعالي وأن فعلي فعل الله تعالى، إذ لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ولكان التكليف بالواجبات واجتناب المقبحات عبثا وقبيحا تعالى الله كيف وقد قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} وقال تعالى: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} وقال تعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون}.
فصل
وينسب الرزق حقيقة إلى الله تعالى ولا ينسب حقيقة إلى غيره تعالى بل تحرم نسبته إلى غيره تعالى حقيقة وذلك لأن الرزق مخلوق من مخلوقات الله تعالى لا يقدر على إيجاده من العدم إلا الله تعالى، وقد قال تعالى: {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون}(1) وقال تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب}(2) وقال تعالى: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}(3) وقال تعالى: {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور}(4) وقد ينسب مجازا إلى المخلوق لأجل الملابسة للرزق والسعي لأخذه من محله، فقد ينسب إليه مجازا لا حقيقة، فلا يجوز، بل ذلك كفر إجماعا ورد لما علم ضرورة عقلا وسمعا، فلا شك في كفر من نسب الرزق على الحقيقة باعتبار الخلق للرزق إلى المخلوق، فإما مجاز باعتبار الإعطاء من فضله تعالى وباعتبار السعي والملابسة، فذلك جائز، ويدل على جواز تلك النسبة المجازية قوله تعالى: {وارزقوهم منه} وقوله تعالى[170أ]: {ومن لستم له برازقين}.
مخ ۱۵۱