676

بدر منیر

البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير

لا تأثير للعدم في إحداث شيء وذلك معلوم بضرورة العقل، وذلك إجماع بين المسلمين والكافرين، ومن المعلوم عند كل عاقل أن أفعال العبيد وهي إنما هي تصرف في مخلوق إلى مخلوق من مخلوقاته تعالى، أو فعل ما علمهم الله تعالى كيفية فعله من العبادة إحالة جلية مخلوق من بياض إلى سواد أو العكس ومعنى إلى معنى بواسطة آلة فمن ني إلى نضيج بواسطة آلة وهي النار وإلهام كيفية ذلك، والإلهام من الله تعالى في ابتداء تلك الصناعة بإلهامه تعالى أو بوحيه تعالى بكيفية فعلها إلى نبي من أنبيائه تعالى، ويعلمها ذلك النبي غيره، ثم تناسخ من بعض الناس إلى بعض مع القدرة وكمال العقل أو بعضه كإلهام البهائم والنحل لترصيف بيوتها ونحو النحل من الطيور وغيرها، فكل هذه الأفعال وهي كما ترى تصرف في شيء قد ثبت ووجد وليست إخراج شيء محكم من عدم محتاج إلى فاعل من المخلوقين القادرين العالمين بتعليم الله تعالى، ولا يوجد شيء منها من العدم ذلك معلوم بضرورة العقل، ولا يوجد وهي بمراحل عن أفعاله تعالى إلا بفاعل مختار أو مكره يقدر على الفعل من العبيد وأن لا يكن فاعل له لم يوجد إجماعا لضرورة العقل، فكذلك السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقين، ومن المخلوقين ما لا يحصي عدد ذلك إلا الله تعالى [166أ] وهي ما بين جسم وعرض وحيوان وجماد، كل ذلك يشهد بلسان حاله ومقاله، أو لسان حاله فقط بأن له فاعلا لا يشبهه ولا يجوز عليه ما جاز عليه في التجسيم والصورة بضرورة أن كل بناء يدل على بان له يخالفه في ذاته لكون ذلك البناء جماد، أو لكونه من بناء حجر فوق حجر ومنظوم بحسن التقديم والتأخير والمداخلة لكل شيء في موضعه فيعلم ضرورة ولو لم تشاهد باني ذلك البناء ولا أخبرك عنه مخبر أنه لا بد له من بان يخالفه في ذات البناء وتأليف البناء ليقدر على إيجاد ذلك البناء، ولولا أن الباني خالف ذلك البناء لما وجد منه ذلك البناء ولكان ليس أحدهما البناء وبانيه بإيجاد أحدهما الآخر بأولى من الآخر، فرأينا السماوات والأرض وما بينهما من حيوان وجماد كالبناء بما فيهما من التحديد والزيادة في الجبال بعضها على بعض والنقصان واختلاف مصاب مياه الأرض، ولكل أرض واد مفروض من البحار أو الرمال لئلا يبقى ذلك فيهلك العالم بإذهابهم ومعايشهم ومواشيهم واختلاف النجوم في طلوعها وأفولها وجري الشمس والقمر على حسب ما يريد سبحانه وتعالى ولما في الحيوان من التأليف البليغ والفرق بينه وبين الجمادات في الجسمية والصورة والحياة والحفظ لكل عضو منه في موضعه وشده ووصل بعضها إلى بعض بالعروق والأعصاب وتهيئة صفة القدرة فيه على الأفعال على وجه لا يشاهد، ويتبين ذلك المعنى إلا عند حصول الفعل بتلك القدرة، فعلمنا بالمشاهدة أن هذه السماوات والأرض وأنفسنا وغيرنا من الأجسام والأعراض بهذه الدلائل المحسوسة لا يخرج هذه الدلائل من العدم الذي ليس هو شيء إلى الوجود على ذلك التأليف العجيب والاختلاف المتباين العديد إلا بفاعل مختار يخالف هذا الذي ثبت فيه هذه العلامات الدالة على الحدث والعجز عن إحداث أنفسها وأمثالها قطعا، وواجب الوجوب تعالى مخالف لها يقال ليقدر على إيجادها وإلا لزمه لو لم يخالفها ما لزمها من العجز والحدث مثلها لو ماثلها بأن يكون جسما أو عرضا ولو ماثلها في تقدم العدم أو كان معدوما لاحتاج إلى محدث له تعالى يخالفه تعالى كما احتاجت -تعالى الله علوا كبير.

فثبت بهذا الدليل المعلوم أن الله سبحانه واجد الوجود وجود غير محدود، وأنه تعالى شيء ليس كالأشياء، وأنه تعالى حي عالم قادر قوي، وأنه تعالى مريد وكاره، وأنه تعالى لطيف ورحيم كريم تبارك الله رب العالمين.

مخ ۱۳۴