370

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- فَائِدَة ١) فِي التَّخَلُّصِ مِنَ الشِّرْكِ بِنَوعيهِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ:
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيْكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيْبِ النَّمْلِ)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (وَالَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيْبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيْلُهُ وَكَثِيْرُهُ؟) قَالَ: (قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ). (١)
- فَائِدَة ٢) فِي أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ أَنَّ السَّلَفَ يَسْتَدِلُّوْنَ بِأَدِّلَّةِ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ عَلَى الأَصْغَرِ - كَمَا سَبَقَ فِي أَثَرِ حُذَيْفَةَ فِي بَابِ (مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَة وَالخَيْطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ البَلَاءِ أَوْ دَفْعِهِ) -. (٢)
- فَائِدَة ٣) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ السَّلَفِ: الشِّرْكُ الأَصْغَرُ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ؛ يَعْنِي مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ كَالحَلِفِ مَثَلًا، فَالحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ أَكْبَرُ مِنَ الحَلِفِ بِاللهِ كَذِبًا - كَمَا فِي أَثَرِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ هُنَا - وَجِنْسُ الشِّرْكِ أَكْبَرُ مِنْ جِنْسِ الكَبَائِرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُوْنَ كُلَّمَا قِيْلَ: إِنَّهُ شِرْكٌ أَصْغَرٌ؛ أَنَّهُ يَكُوْنُ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ الكَبَائِرِ، فَفِي الكَبَائِرِ مَا جَاءَ فِيْهِ مِنَ التَّغلِيْظِ وَالوَعِيْدِ الشَّدِيْدِ مَا لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ -. وَاللهُ أَعْلَمُ. (٣) (٤)

(١) صَحِيْحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١٦). صَحِيْحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥٤).
(٢) وَالأثَرُ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيْرِ (١٢٠٤٠) عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الحُمَّى؛ فَقَطَعَهُ، وتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُوْنَ﴾ (يُوْسُف: ١٠٦).
(٣) أَفَادَهُ الشَّيْخُ الفَاضِلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ البَرَّاكُ حَفِظَهُ اللهُ. فَتْوَى رَقَم (١٧٦١٨) تَارِيْخ (٢٧ - ١٠ - ١٤٢٧ هـ)، مِنْ مَوْقِعِ (نُوْرِ الإِسْلَامِ) عَلَى الشَّبَكَةِ العَنْكَبُوْتِيَّةِ.
(٤) قُلْتُ: ومِنْ أَمْثِلَةِ ذَلكَ: مَنْ جَاهَدَ رِيَاءً فَإِنَّ إِثْمَهُ أَكْبَرُ مِمَّنْ تَرَكَ الجِهَادَ أَصْلًا.
وَدَلِيْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيْرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوْهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيْلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِيْنَ﴾ (التَّوْبَة:٢٤) فَقَدْ جَاءَ التَّهْدِيْدُ فِيْمَنْ رَغِبَ عَنِ الجِهَادِ وَالهِجْرَةِ، أَمَّا الآخَرُ فَقَدْ جَاءَ فِيْهِ وَعِيْدٌ أَشَدُّ كَمَا فِي الحَدِيْثِ (إِنَّ اللهَ إذَا كَانَ يَوْمَ القيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ؛ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ - وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ - فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيْلِ اللهِ، وَرَجُلٌ كَثِيْرُ المَالِ، فَيَقُوْلُ اللهُ لِلْقارِئِ: (أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُوْلِي؟) قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: (فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيْمَا عَلِمْتَ؟) قالَ: كُنْتُ أقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُوْلُ اللهُ لهُ: (كَذَبْتَ) وَتَقُوْلُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُوْلُ اللهُ لَهُ: (بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ قَارِئٌ؛ فَقَدْ قِيْلَ ذَلِكَ)، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ فَيَقُوْلُ اللهُ لَهُ: (ألَمْ أُوَسِّعْ عَلِيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟) قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قالَ: (فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيْمَا آتَيْتُكَ؟) قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُوْلُ اللهُ لَهُ: (كَذَبْتَ) وَتَقُوْلُ المَلَائِكَةُ كَذَبْتَ، وَيَقُوْلُ اللهُ: (بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَوَادٌ؛ فَقَدْ قِيْلَ ذَلِكَ)، وَيُؤْتَى بِالَّذِيْ قُتِلَ فِي سَبِيْلِ اللهِ فَيَقُوْلُ اللهُ: (فَبِمَاذَا قُتِلْتَ؟) فَيَقُوْلُ: أُمِرْتُ بِالجِهَادِ فِي سَبِيْلِكَ فَقاتَلْتُ حَتَّى قُتلْتُ، فَيَقُوْلُ اللهُ لهُ: (كَذَبْتَ) وَتَقُوْلُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُوْلُ اللهُ: (بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَرِيءٌ؛ فَقَدْ قِيْلَ ذَلِكَ). يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُوْلَئِكَ الثَّلاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللهِ تُسْعَرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القيَامَةِ». صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٣٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (١٧١٣).

1 / 370