580

ثم عقب ذكر الصوم بما يلزم من الدعاء، فقال تعالى: وإذا سألك عبادي عني يحتمل عن المكان، ويحتمل كيف ندعوه، ويحتمل عن كيف التوصل إلى رحمته على حسب ما روي في سبب النزول، وعلى حسب اختلافهم في السؤال اختلفوا في الجواب، فمنهم من قال: الجواب في قوله: فإني قريب ومنهم من قال: الجواب في قوله: أجيب والأقرب أن يكون السؤال عن صفته لا عن فعله لقوله: عني فإني قريب فيه إضمار، أي فقل: إني قريب يدل بذلك أنه لا مكان له؛ إذ لو كان له مكان لم يكن قريبا من كل من يناجيه. وقيل: قريب الإجابة، أي سريعها. وقيل: قريب السماع يسمع دعاءهم كسماع القريب. وقيل: قريب بالعلم والقدرة أجيب دعوة الداعي إذا دعان يعني: أجيب دعاء من دعاني، وهذا وإن كان دعوة الداعي ظاهره على القطع.

وللدعاء شروط حتى يجاب: فمنهما: معرفة الداعي بربه ليصح أن يوجه الدعاء إليه.

ومنها: أن يعرف حسن ما يدعو، وما لا يحسن.

وثالثها: أن يعرف الوجه الذي يحسن عليه الطلب، والدعاء إليه، فإذا دعا بشرائط الدعاء، وعلم تعالى أن إجابته مصلحة أجاب، وإن كانت المصلحة في التأخير أخر الإجابة، ولا يجوز أن تقف مصالح العباد على اختيارهم وسؤالهم.

ومتى قيل: فما معنى الدعاء؟

فجوابنا أنه يكون تعبدا، ولأنه يجوز أن تكون المصلحة في فعله عند مسألتهم، ولولا سؤالهم لم يكن فعله مصلحة.

ثم بين تعالى كيف ينبغي أن تكون صفة الداعي حتى يستجاب له، فقال: فليستجيبوا يعني فلينقادوا لي فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه؛ لأن استجبته واستجبت له بمعنى أجبته وليؤمنوا بي أي ليصدقوا بجميع ما أنزلته لعلهم يرشدون أي لكي يرشدوا، وليس هو على الشك، وقيل: افعلوا ذلك متعرضين للرشد.

* * *

(الأحكام)

الآية تدل على نفي المكان؛ إذ لو كان في جهة لم يكن قريبا من كل داع فيبطل قول المشبهة.

مخ ۷۷۲