التهذيب في التفسير
التهذيب في التفسير
عرف الشهر، وبين أنه خصه بالصوم لاختصاصه بالفضائل المذكورة، وهو أنه أنزل فيه القرآن، وعليه مدار الدين، واختلفوا، فقيل: أنزل القرآن كله في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - متفرقا بعده، عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وجماعة، وقيل: ابتدأ إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان، عن أبي إسحاق، وقيل: كان ينزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ما يحتاج إليه في تلك السنة، والأقرب الأول لما يعلمه الله تعالى من المصلحة. ثم وصف القرآن فقال: هدى للناس يعني دلالة لهم فيما كلفوه من العلوم، وبينات من الهدى فبين أنه مع كونه هدى يتضمن بينات من الهدى والفرقان فوجب حمله على غير ما تقدم ليفيد، وقيل: المراد بالهدى الأول الهدى من الضلالة، وبالثاني: بيان الحلال والحرام، عن ابن عباس. وقيل: أراد بالأول ما كلف من المعلوم، وبالثاني ما يشتمل عليه من ذكر الأنبياء وشرائعهم وأخبارهم؛ لأنها لا تدرك إلا بالقرآن، عن الأصم والقاضي؛ ولذلك قال: وبينات؛ لأنه كالحكاية عن هدى من تقدم من الأنبياء، ثم وصف القرآن بأنه فرقان يعني يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وكل ذلك ترغيب في تدبره، والتعويل عليه، والتحذير من خلافه فمن شهد منكم الشهر فليصمه الألف واللام في الشهر للعهد، والمراد به شهر رمضان، وقيل: من شهد أول الشهر فليصم جميعه عن علي (عليه السلام)، وقيل: من شهد كل الشهر مقيما صحيحا مكلفا فليصمه، ومعنى شهد قيل: شاهد الشهر وهو مكلف، وقيل: حضر ولم يغب، ومعناه أن يرد الشهر وأوقاته وهو على صفة يلزمه الصوم فليصمه، فأوجب الصوم حتما ونسخ التخيير، وإن كان موصولا به في التلاوة؛ لأن الانفصال تغيير عند الإنزال لا عند التلاوة، وعلى هذا قال العلماء في عدة المتوفى عنها زوجها: إن المقدم ناسخ، والمتأخر في التلاوة منسوخ؛ إذ لا معتد بالتلاوة، والمتلو أولا هو المنزل آخرا، فأما الصوم فقد بينا صفته، وأنه الإمساك مع النية، ولا خلاف أن تقديم النية في وقت الشروع جائز، والخلاف في تأخره وقد بينا. ومن كان مريضا أو على سفر بينا الرخصة للمريض والمسافر وصفتهما وذكرنا أن منهم من قال: الفطر للمسافر عزيمة، ومنهم من قال: رخصة، وهو قول الفقهاء، ثم اختلفوا، فمنهم من قال: الصوم أفضل، وعليه الأكثر، وبعضهم قال: الفطر أفضل فعدة من أيام أخر أي فأفطر فعليه عدة من أيام أخر يقضي فيها ذلك، واختلفوا هل للعدة وقت، قال أبو حنيفة: لا، وهو موسع، وقيل: هو مضيق إذا برئ أو قدم، عن الحسن وجماعة. وقيل: مؤقت بما بين رمضانين، فإن فرط لزمه الفدية، عن الشافعي يريد الله بكم اليسر بالرخصة للمريض والمسافر إذ لم يوجب الصوم عليهما حتما فقيل: يريد الله بكم اليسر في جميع أموركم ولا يريد بكم العسر أي التضييق عليكم ولتكملوا العدة يعني تتموا العدة ما أفطرتم بالقضاء، وقيل: وليكمل المقيم الصحيح والمريض والمسافر على ما أمر؛ لأنه مع الطاقة وعدم العذر يسهل عليه كمال العدة، والمريض والمسافر يتعسر عليه فيكمل في وقت آخر ولتكبروا الله قيل: أراد التكبير ليلة الفطر ويوم الفطر، عن ابن عباس وجماعة. وقيل: هو التعظيم له شكرا لقوله: على ما هداكم ولأنه لم يرو تكبير في ذلك الوقت فجمع عليه ولعلكم تشكرون أي لتشكروا الله على نعمه، والشكر قيل: هو تعظيم النعم بالثناء باللسان والتعظيم بالقلب. وقيل: العبادات بالجوارح، عن أبي مسلم. وقيل: إنه يقع على القول والاعتقاد حقيقة، وفي أفعال الجوارح، وهو مجاز، عن القاضي.
* * *
(الأحكام)
في الآية أحكام عقلية، وأحكام شرعية: أما العقليات: فتدل على أن الهدى ليس هو نفس الإيمان كما تزعمه المجبرة؛ لأنه تعالى جعل القرآن هدى.
وتدل على بطلان قول أصحاب المعارف؛ إذ لو كانت ضرورية لما أفاد وصفه بأنه هدى.
وتدل على بطلان قول المجبرة؛ لأنه بين أن في أفعال المكلف ما يريد وهو اليسر، ومنها ما لا يريد، وهو العسر، وهذا خلاف قولهم، فإنهم يزعمون أنه يريد كل عسر بعباده.
وتدل على بطلان قولهم في تكليف ما لا يطاق ولا يستطاع؛ لأنه إذا كان لا يريد بهم العسر فلأن لا يريد تكليف ما لا يطاق أولى.
مخ ۷۶۸