529

ثم بين تعالى ذم من كتم الحق، فقال تعالى: (أولئك) يعني من تقدم ذكرهم الذين اشتروا الضلالة بالهدى يعني اختاروا الضلالة، وهي الكفر، والتمسك بالباطل، وعدلوا عن الحق، فصاروا بمنزلة من يشتري السلعة بالثمن، وهذا توسع؛ إذ ليس هناك بيع ولا شراء، والمراد ما ذكرنا، واختلفوا فقيل: اختاروا الكفر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بدلا من الإيمان به، وقيل: كتمان أمره مع علمهم به بدل الإظهار، وقيل: الضلال: العذاب، والهدى: الثواب وطريق الجنة، يعني استبدلوا النار بالجنة، والعذاب بالمغفرة، وقيل: إنه تأكيد لما تقدم، عن الأصم وأبي مسلم. وقيل : معناه أنهم مع معرفتهم بما أعد الله من العقاب لمن عصاه، وبما أعد لمن ترك معاصيه من الثواب، ثم أقاموا على ما هم عليه مصرين صاروا مشترين العذاب بالمغفرة، عن القاضي. وهذا هو الوجه؛ لأنه إذا أمكن حمله على زيادة فائدة كان أولى؛ فكان اشتراؤهم للضلالة بالهدى يرجع إلى عدولهم عن طريق العلم إلى طريق الجهل، واشتراؤهم العذاب بالمغفرة يرجع به إلى قصدهم ما يوجب النار، وتركهم ما يوجب الجنة، وقيل: العذاب بالمغفرة يعني استمروا، وتركوا التوبة التي تؤدي إلى المغفرة، واختاروا الإصرار، وهذه أيضا فائدة جديدة فما أصبرهم قيل: هو استفهام والمراد به التوبيخ، أي كيف يصبرون، عن ابن عباس وابن جريج وابن زيد والسدي. وقيل: تعجيب منه تعالى للسامع بحالهم، عن الحسن وقتادة ومجاهد. يعني عجبا من جرأتهم على النار مع معرفتهم بشدتها؛ لأنه لا يكاد يقال فيمن أقدم على عمل بشبهة وتأويل، فلما كانت اليهود أنكروا نبوته مع العلم صح ذلك فيهم، والتعجب لا يجوز على الله تعالى، وإنما هو على وجهين أحدهما: تعجبوا ممن هذا حاله، والثاني: أنهم حكوا فعل من يتعجب منه، فالتعجب لنا منهم، واختلفوا في قوله: فما أصبرهم قيل: في الآخرة، وإنهم يصبرون لليأس من الخلاص، عن الأصم، وقيل: إنه في الدنيا ثم اختلفوا في معناه على أقوال، قيل: ما أجرأهم على النار أي على العمل المؤدي إليها، عن الحسن وقتادة والربيع، وهذه لغة إيمانية اشتق من الصبر الذي هو حبس النفس؛ لأنه بالجرأة يصبر على الشدة، وقيل: ما أعملهم بأعمال أهل النار، عن مجاهد. مأخوذ من الصبر كأنهم حبسوا أنفسهم على عمل أهل النار. وقيل: ما أصبرهم على النار أي حبسهم عليها، عن الفراء. وقيل: ما أبقاهم على النار، كقوله: ما أصبرهم على الحبس!، حكاه الزجاج. وقيل: ما أدومهم على النار، عن الكسائي وقطرب. كأنه قيل: ما أدومهم على عمل أهل النار، كقولهم: ما أشبه سخاك بحاتم؛ أي بسخاء حاتم، وقيل: ما الذي جرأهم وصبرهم حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل؟، عن ابن عباس والحسن وعطاء وابن زيد.

* * *

(الأحكام)

الآية تدل على عقاب من كتم حقا يجب إظهاره لغرض من الدنيا، وفيها تنبيه على أنه لا ينبغي لأحد أن يقدم على عمل أهل النار، فإن الجرأة عليه ضلال عظيم.

مخ ۷۲۰