495

وإذا ثبت بأفعاله أنه عالم لذاته غني ثبت أنه لا يفعل القبيح؛ لأن العالم بقبح القبيح العالم بغناه عنه لا يختاره، ولأنه لا داعي له إلى فعل القبيح فعند ذلك يعلم أنه لا يفعله ولا يريده، وأن أفعال العباد ليست بخلق لله [*] لما فيها من الكفر والقبائح، وأنه كلف العباد لمنافعهم، ولم يخلق أحدا للعذاب لما فيه من القبح، وأنه يزيح العلة ولا يكلف ما لا يطيقه، فيعلم أن الاستطاعة قبل الفعل، وإذا كان غرضه حصول الفعل من المكلف يستحق الثواب، فلا بد أن يلطف فيعلم وجوب اللطف، وإذا علم أنه لا يجوز عليه القبائح يعلم كونه صادقا، فيعلم صحة ما جاء به الوعد والوعيد، وإذا علم وجوب اللطف وقد يكون ذلك من فعل المكلف فلا بد من رسول يبين، فعند ذلك يعلم وجوب النبوات وشرائطها من المعجز والعصمة ومعرفة الشرائع، وإذا تفكر فيها علم مسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد والإمامة، وما يتعلق بالفعل كالصلاة والزكاة والحج، وما يتعلق بالترك كالشرك والقتل والزنا والربا، وجميع أحكام الشرع لا يخلو من هذين الوجهين فعل أو ترك، فهذه جملة تدل عليها أفعاله بنفسها أو بواسطة تنبيه على تفصيل يطول.

فأما الفصل الثالث: فكيفية دلالة كل واحد من هذه الأشياء على الصانع المدبر وصفاته: أما السماوات والأرض فتدل من وجوه: أولها: كونها مخلوقة محدثة، ولا بد من محدث إذا لم يخل من الحوادث.

وثانيها: كونها مقدرة محكمة متسقة فتدل على مدبر حكيم عليم.

وثالثها: أنهما قدرا على وجوه تتكامل بها المصلحة من رفع السماء والانتفاع بالشمس والقمر، ودحو الأرض حتى صح مقرا ومتصرفا، وما فيها من أنواع النبات والأشجار تدل على صانع حكيم.

ورابعها: سكونهما من غير علاقة، ولا مكان مع ثقلهما وعظمهما لا يصح إلا من صانع قادر وإلى ذلك أشار بقوله: (إن الله يمسك السماوات والأرض).

وخامسها: ما يستمر عليه أحوال النجوم السائرات والأفلاك الدائرات على طريقة واحدة مما يتم به مصالح الخلق في أرزاقهم ومعاشهم وحسابهم.

فأما اختلاف الليل والنهار: فيدل من وجوه: أولها: نقيض ما صار به الليل والنهار من الضياء والظلام؛ إذ لا يقدر عليه أحد من الأجسام، ولا بد من محدث مخالف لها.

مخ ۶۸۶