479

لما بين تعالى دين الحق حث على إظهاره ونهى عن كتمانه، فقال تعالى: إن الذين يكتمون قيل: أهل الكتاب من اليهود والنصارى، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن والربيع والسدي والأصم وأبي علي. وقيل: إنه كلام مستأنف في كل من كتم ما أنزل الله، عن أبي القاسم وأبي مسلم. والقاضي قال: ونزوله على سبب لا يوجب قصره عليه، ولا مانع من حمله على العموم، فروي عن عائشة وأبي هريرة ما يدل على أنهما حملاه على العموم، قال أبو هريرة: لولا آيتان من كتاب الله تعالى ما حدثتكم، وتلا: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى قيل: من الحجج المنزلة في الكتب، والهدى: الدلائل، والأول: علوم الشرع، والثاني: أدلة العقل، فعم الوعيد في كتمان جميعها من بعد ما بيناه للناس في الكتاب قيل: في التوراة والإنجيل من صفته - صلى الله عليه وسلم - من الأحكام، وقيل: في كتاب أنزله الله، وقيل: أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين، وبالثاني ما في القرآن أولئك يلعنهم الله يعني يبعدهم من رحمته (ويلعنهم اللاعنون) قيل: الملائكة والمؤمنون، عن قتادة والربيع وأبي علي. وقيل: دواب الأرض وهوامها يقولون: منعنا القطر بمعاصي ابن آدم، عن مجاهد وعكرمة، ولذا عبر عنهم بعبارة ما يعقل؛ لأنه أضيف إليهم فعل ما يعقل فعبر عنهم بعبارتهم كقوله: (رأيتهم لي ساجدين) قيل: كل شيء سوى الثقلين الجن والإنس، عن ابن عباس، وقيل: من آمن به، عن الأصم وأبي مسلم، وقيل: إن أهل النار تلعنهم أيضا حيث كتموهم الدين، فهو على العموم، وعن ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله، وروي عن ابن عباس أن لهم لعنتين: لعنة الله، ولعنة الخلائق، قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل ما دينك ومن ربك فيقول: ما أدري، فيضرب ضربة فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين، ولا يسمع شيء صوته إلا لعنه، ويقول له الملك: لا دريت، [كذلك] كنت في الدنيا.

ومتى قيل: كيف يصح هذا؟ وما روي عن مجاهد وعكرمة؟

قلنا: لا وجه له إلا أن يحمل على وجهين: أحدهما: أنه يكون في الآخرة فتكمل عقولهم حتى لعنوهم.

والثاني: أنه يحمل على أنه يلهمهم اللعنة، عن القاضي، وفيه تعسف، والصحيح الوجه الأول.

* * *

(الأحكام)

الآية تدل على أن كتمان الحق من الكبائر إذا احتيج إلى إظهاره مع سلامة الأحوال لذلك أوجب عليه اللعنة.

مخ ۶۷۰