477

لما بين تعالى أنه يبتلي عباده بالأوامر والنواهي مرة، والمصائب أخرى على حسب مصالحهم، بين أن من جملة ذلك أمر الحج والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله، وقيل: لا حذف فيه، والمراد إن الصفا والمروة من أعلامه وآياته يعني مواضع نسكه وعبادته من شعائر الله قيل: من المناسك عن ابن عباس. وقيل: من دين الله، عن الحسن. وقيل: من أعلامه التي عرف عباده بأنه موضع عبادة، عن أبي علي، وقيل: متعبدا به (فمن حج البيت) أي قصده بالأفعال المشروعة أو اعتمر أي أتى بالعمرة، وهي الزيادة بالمناسك المشروعة (فلا جناح عليه) أي لا حرج عليه أن يطوف بهما فحذف (لا) كقوله: (يبين الله لكم أن تضلوا) وكقوله: (تقولوا يوم القيامة) عن أبي علي وجماعة، قال القاضي: وهذا لا يصح؛ لأنه يستغنى عن هذه الزيادة، فلا وجه له، وقال علي بن عيسى: إنما يجوز الحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليه. وقيل: معناه لا إثم عليه في الطواف بينهما، ورفع الإثم يدل على أن ذلك الفعل حسن، وهذه اللفظة تفيد معنى الإباحة، لكن العلماء اتفقوا أن الطواف بينهما عبادة، وإن اختلفوا أنه واجب أو ندب؛ ولذلك طلبوا المعنى لأنه وجهها وذكروا الأسباب في ذلك على ما قدمنا، فوجب حمله على بعض تلك الأسباب ليستقيم وجه الكلام، قال الحسن: هو جواب لقولهم، إنه لا يحل، وإلا فهو واجب (ومن تطوع خيرا) قيل: فزاد في الطواف حول البيت بعد الواجب، عن ابن عباس ومقاتل والكلبي. وقيل: من تطوع بالطواف بالصفا والمروة وعنده أنه سنة وليس بواجب، عن مجاهد وأبي علي. وقيل: تطوع بمعنى اعتمر فالحج فريضة والعمرة تطوع، عن ابن زيد. وقيل: فمن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء الواجب، عن الأصم، وقال: الحج والعمرة قد يفعلان فرضا، ويفعلان تطوعا. وقيل: تطوع خيرا يعني الدين كله وأنواع الطاعات، عن الحسن فإن الله شاكر عليم يعني يجازي من أحسن بالحسنى والثواب، وهو عليم بقدر ما استحق، وقيل: شاكر يقبله منه، عليم بما نوى، عن ابن عباس، وقيل: عليم بقدر الجزاء فلا يبخس حقه، وقيل: عليم بجميع أحوال العباد يجازيهم بأعمالهم.

* * *

(الأحكام)

الآية تدل على أن الحج والعمرة عبادتان، ولا خلاف في ذلك، ثم اختلفوا في العمرة، فقال بعضهم: سنة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وجماعة من الفقهاء؟ وقال بعضهم: فرض، وهو قول الشافعي، ووقت الحج في ذي الحجة، ووقت العمرة جميع السنة، وأفعال الحج: الإحرام والوقوف بعرفة والمزدلفة والرمي والطواف والسعي، وأفعال العمرة: الإحرام والطواف والسعي.

وتدل على أن الطواف بين الصفا والمروة وهو السعي عبادة، واتفقوا على ذلك، ويدل عليه أنه علق ذلك بفعل الحج والعمرة، ولا يتعلق بهما إلا نسك، ويدل عليه قوله: ومن تطوع؛ لأنه يستعمل في العبادات، ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال: إنه فرض لا يتم الحج دونه، وإن تركه لزمه العود، وهو ركن كالوقوف ، وهو قول مالك والشافعي، وروي نحوه عن عائشة والحسن، ومنهم من قال: هو تطوع عن عطاء وأنس، وروي نحوه عن ابن عباس، ومنهم من قال: إنه واجب وليس بركن إن تركه فقام بقضائه يحسن، وإن لم يعد وأراق دما تم حجه، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه، وليس في الظاهر ما يدل على واحد، فوجب الرجوع إلى دليل آخر.

واستدل بعضهم بالآية أن البداية بالصفا واجب، وظاهرها لا يدل عليه لوجهين: أحدهما أن الواو لا يوجب الترتيب، والثاني أنه جمع بينهما فقال: أن يطوف بهما.

وتدل على أن مشاهدة المنكر لا تمنع من فعل الواجبات والقرب؛ لأنه تعالى جعل الطواف بينهما قربة وإن كان هناك أصنام منصوبة.

مخ ۶۶۸