439

روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعد التحويل عن بيت المقدس، ولم يبين إلى أي موضع يحوله، فكان يقلب طرفه في السماء توقعا وانتظارا لما وعد به، وكان يحسن أن يكون قبلته الكعبة، فأتاه جبريل بهذه الآية، عن الحسن والسدي وأبي علي. وقيل: كان يحب ذلك محبة طباع، ولم يكن يدعو به حتى أذن له فيه، وكان يستأذن جبريل، فقال: سل ربك فجعل يديم النظر إلى السماء، فنزلت الآية، عن ابن عباس وقتادة. وقال أبو مسلم: لولا الأخبار لاحتمل أن يكون ذلك أول مقدمه المدينة، فقد روي أنه كان بمكة يصلي، ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه، فانتظر أمر الله، فنزلت الآية، وقد اختلفوا في صلاته بمكة، فقيل: كان يصلي إلى الكعبة، فلما هاجر أمر بالتوجه إلى بيت المقدس، وقيل: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس، ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. وقيل: بل كان يصلي إلى بيت المقدس، حكاه أبو القاسم. قال جعفر بن مبشر: أمر بالتوجه إلى بيت المقدس لا باختياره، والصحيح أنه كان وعد التحويل، وكان لا يحب من تلقاء نفسه؛ لأنه يعلم أن المصلحة ما يأمره به ربه، وأن ما تميل إليه الطباع لا يكون مصلحة، فحاشاه أن يتبع ذلك، وإذا سأل فلا بد أن يسأل بإذن؛ لأنه إذا سأل بغير إذن فربما تكون المصلحة في خلافه، فإذا رد كان فيه تنفير، وقد سأل ما فيه مفسدة، فما يحبه يحبه بأمر الله تعالى، وما يسأله يسأله بإذنه، وقد قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى)

وهذا ينفي أن يسأله بغير الوحي.

* * *

(المعنى)

ثم بين تعالى أمر القبلة قد نرى تقلب وجهك يا محمد في السماء قيل: لانتظار الموعود، وقيل: لانتظار الوحي في أمر القبلة، وإنما قلب طرفه نحو السماء لأن جبريل (عليه السلام) يأتيه بالوحي من السماء، وقد قال بعضهم: أنه منع عن استقبال بيت المقدس، ولم تعين له القبلة، فضاق صدره أن يرد وقت الصلاة ولم تظهر القبلة، فكان يقلب وجهه نحو السماء، وليس بالوجيه؛ لأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه، (فلنولينك) لنحولنك قبلة ترضاها تريدها وتحبها، وقيل: قبلة وأنت راض بكل وجهة تؤمر بها، عن الأصم.

ويقال: لماذا أحب التحويل، وكره ما كان عليه؟

مخ ۶۳۰