السيرة النبوية
السيرة النبوية
•
سیمې
مصر
استعداد الرسول ﷺ وأصحابه لفتح مكة
أعلن الرسول ﷺ استنفارًا عامًا على كل المستويات لكل أهل المدينة المنورة، وإرسال استدعاءات للمسلمين في القبائل المختلفة، وممن أرسل إليهم غطفان، وأرسل إلى بني سليم، وإلى فزارة، وهؤلاء هم الأحزاب الذين حاصروا المدينة منذ ثلاث سنوات، والرسول ﷺ اتفق مع هذه القبائل على التلاقي عند مر الظهران، ومر الظهران على بعد حوالي (٢٢) كيلو من مكة المكرمة، أي: أن هذه القبائل ستأتي من طرق مختلفة؛ لكي لا تستطيع عيون قريش تقدير عدد الجيش المسلم، وفي نفس الوقت أخرج الرسول ﵊ سرية على رأسها أبو قتادة ﵁ للتمويه، أرسل هذه السرية إلى اتجاه بعيد عن اتجاه مكة المكرمة؛ ليلفت أنظار القرشيين إلى أنه لا يريد مكة المكرمة، وأمر ﷺ المسلمين جميعًا بالسرية التامة، وبعدم إخبار أي إنسان خارج المدينة المنورة بأمر هذا الغزو لمكة المكرمة، ثم رفع يده إلى السماء ودعا وقال: (اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعون بنا إلا فجأة) وبدأ الإعداد الضخم للخروج من المدينة المنورة.
في ذلك الوقت حدثت قصة لا أريد أن أقف عندها كثيرًا؛ لأني سأحيلها إن شاء الله إلى مجموعة الرسول ﵊ وأخطاء المؤمنين، لكن نمر سريعًا على هذا الحدث، فالحقيقة أن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه أخطأ خطأ كبيرًا بإرادته بكشف سر رسول الله ﷺ لمشركي قريش، فهو أرسل إليهم رسالة يخبرهم فيها أن رسول الله ﷺ قادم إليهم، ولماذا فعل هذا؟ لأن له عائلة بمكة المكرمة وخشي عليها من بطش قريش، وليست له قبيلة كبيرة بمكة تدافع عن أسرته، فهو رجل حليف ليس من أهل مكة الأصليين، وهذا الأمر لا يبرر أبدًا له هذا الخطأ الكبير، لكن هذا هو الذي حصل، ونزل الوحي يكشف للرسول ﵊ هذا الأمر، واستطاع الرسول ﵊ أن يرسل من يأتي بالرسالة التي أرسلها، وأحبطت هذه المحاولة، وهذا الصحابي الجليل لم يرتكب هذا الخطأ لأنه من المنافقين، بل هي لحظة ضعف خاف فيها على أسرته، ولذلك الرسول ﵊ عفا عنه وتجاوز عن هذا الخطأ؛ لسابق تاريخه ﵁ في الإسلام، وكما هو معروف أن حاطبًا ﵁ من أهل بدر، ولهذا الرسول ﵊ منع عمر من إيذائه وقال له: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطّلع على قلوب من شهد بدرًا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، هذا الحدث يحتاج إلى تفصيل، ولكن كما قلنا سنتحدث عنه بالتفصيل في مجموعة أخطاء المؤمنين.
خرج الرسول ﵊ من المدينة المنورة وكان هذا الخروج في (١٠) رمضان سنة (٨هـ)، واتجه مباشرة إلى مكة المكرمة، وفي الطريق بدأت البشريات تتوافد على المسلمين أولًا في طريقه وبمجرد أن خرج من المدينة المنورة لقي العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه عم الرسول ﷺ، ومن أحب الناس إلى قلبه ﷺ، فقد كان تأخر إسلام العباس ﵁ وأرضاه علامة استفهام كبيرة جدًا، حتى إن هناك من قال: إنه قد أسلم أيام بدر، ولم يفسّر تفسيرًا واضحًا بقاءه في مكة المكرمة دون هجرة كل هذه السنوات، وهناك من قال: إنه بقي في مكة لنقل الأخبار للرسول ﵊، ولم يقم أحد الأدلة على ذلك، لكن الحمد لله أنه هاجر قبل أن يصل الرسول ﵊ إلى مكة المكرمة، وذلك أسعد الرسول ﵊ جدًا، وسر سرورًا عظيمًا برؤية العباس ﵁ وأرضاه، وانضم العباس إلى قوة المسلمين، وسيكون له دور إيجابي كما سنرى ذلك في فتح مكة المكرمة.
ثم أكمل الرسول ﵊ الطريق وقد زادت قوة المسلمين بـ العباس ﵁، فوجد رجلين آخرين: أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية، أحدهما ابن عم الرسول ﵊، والآخر ابن عمة الرسول ﷺ، وهذان الرجلان كانا من أشد الناس على رسول الله ﷺ، وجاءا من مكة المكرمة إلى المدينة ليعلنا إسلامهما بين يدي الرسول ﵊، وتخيل من شدة إيذائهما للرسول ﵊ رفض ﵊ أن يقابلهما، مع أنه ﷺ كان يفرح كثيرًا بمن أتى إليه مسلمًا، إلا أنه رفض في البداية مقابلتهما من شدة إيذائهما له في فترة الفترة المكية، لولا أن السيدة أم سلمة ﵂ وكانت مصاحبة لرسول الله ﷺ في الفتح فتوسطت لهما عند رسول الله ﷺ، فقابلهما الرسول ﷺ وقبل منهما الإسلام بعد أن أعلنا التوبة الكاملة بين يديه ﷺ.
38 / 4