527

السيرة النبوية

السيرة النبوية

سیمې
مصر
موقف الرسول ﷺ وصحابته من أبي سفيان حين جاء إلى المدينة ليطيل مدة الهدنة
ذهب أبو سفيان إلى المدينة المنورة يحاول قدر المستطاع أن يمنع الرسول ﵊ من الانتقام لخزاعة والثأر لكرامته وكرامة الأمة الإسلامية، وأن يطيل المدة بأي ثمن.
ومن هذا الحدث سنأخذ قاعدة مهمة جدًا، وهذا القاعدة ليست فقط في أيام الرسول ﵊ ولكنها ستظل معنا إلى يوم القيامة وهي: إذا كان عدوك حريصًا على السلام وحريصًا على تجنب الصدام بكل ما أوتي من قوة ويدفعك إليه دفعًا فاعلم أنه ضعيف، أو على الأقل يخشى قوتك فلا تضعف ولا تجبن.
فأتى أبو سفيان كي يحاول قدر المستطاع أن يتجنب الصدام، وسنجد الوقفة الإسلامية أمام أبي سفيان، في بداية دخوله إلى المدينة المنورة ذهب إلى ابنته، وبنت أبي سفيان كانت زوجة الرسول ﵊ وهي أم حبيبة ﵂ وأرضاها أم المؤمنين، والتقى أبو سفيان مع أم حبيبة ﵂، وكان هذا اللقاء بعد غياب (١٦) سنة متصلة، فقد كانت أم حبيبة ﵂ هاجرت إلى الحبشة، وبقيت في الحبشة فترة طويلة من الزمان، ثم تزوجها الرسول ﵊ وأتت إلى المدينة المنورة، ولم تمر بمكة منذ (١٦) سنة متصلة، فالعلاقة بينها وبينه منقطعة فترة طويلة، فكان أبو سفيان يظن أن أم حبيبة ستستقبله استقبالًا حافلًا فهو أبوها، ومنذ فترة طويلة من الزمن لم ير أحدهما الآخر، لكن عندما أراد التحدث معها وأراد الجلوس على الفراش، فإذا بها تطوي الفراش وتمنعه من الجلوس، فاستغرب أبو سفيان فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟ فقالت السيدة أم حبيبة في صلابة وفي قوة: هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه، فقال أبو سفيان: يا بنية والله لقد أصابك بعدي شر، ثم خرج.
لنا وقفة مع موقف السيدة أم حبيبة، فقد يقول المحلل لهذا الموقف، إن هذا الموقف فيه نوع من الغلظة غير المقبولة من السيدة أم حبيبة مع أبيها أبي سفيان، والواقع أن في مثل هذه الظروف تكون الغلظة؛ فـ أبو سفيان ليس إنسانًا عاديًا، بل زعيم مكة، والجميع في المدينة المنورة يعلم أن هناك نقضًا للمعاهدة التي تمت بين المسلمين وبين قريش، وأنه قد جاء إلى المدينة المنورة لكي يطيل المدة، والرسول ﵊ قد أنبأهم بذلك قبل أن يأتي أبو سفيان في معجزة نبوية ظاهرة، قال ﷺ: (كأنكم بـ أبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة)، فعرف المسلمون أنه أتى لهذا الغرض، لذلك أرادت أم حبيبة ﵂ وأرضاها أن تقف هذه الوقفة الصلبة الجريئة القوية مع أبيها؛ ليعلم أبو سفيان أن المسلمين جميعًا صف واحد، وأنهم جميعًا على قلب رجل واحد، حتى إن ابنته أم حبيبة ﵂ وقفت مع الرسول ﵊ ضد أبيها أبي سفيان، فهذا ترك انطباعًا وتصورًا سلبيًا كبيرًا جدًا عند أبي سفيان، فقد عرف أنه يقف أمام أناس من الصعب أن يحاربهم، وليس هذا السلوك الإسلامي العام مع الرحم المشرك أو الرحم غير المسلم؛ لأن الله ﷿ أمر بمصاحبة الآباء والأمهات المشركين بالمعروف، قال ﷾: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، والذي يؤكد على هذا المعنى ما جاء في البخاري عن السيدة أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: (قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ، أي: أنها جاءت في نفس فترة صلح الحديبية، فالسيدة أسماء سألت الرسول ﷺ وقالت له: (يا رسول الله إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم صليها)، وهذا هو الأصل في المعاملة، لكن موقف أم حبيبة مع أبيها أبي سفيان موقف مختلف، كان موقفًا صحيحًا بدليل سكوت رسول الله ﷺ عن هذا التصرف من السيدة أم حبيبة ﵂.
ثم خرج أبو سفيان من عند السيدة أم حبيبة بهذه الصدمة الكبيرة، واتجه مباشرة إلى الرسول ﵊ ليحاول أن يطيل المدة كما ذكرنا، فتحدث أبو سفيان مع الرسول ﷺ وذكر له رغبته، لكن الرسول ﵊ رفض أن يرد عليه، حتى مجرد الرد لم يرد الرسول ﷺ، وهذا ليس هو التصرف المعتاد من رسو

38 / 3