المفصل في القواعد الفقهية
المفصل في القواعد الفقهية
خپرندوی
دار التدمرية
شمېره چاپونه
الثانية
د چاپ کال
۱۴۳۲ ه.ق
د خپرونکي ځای
الرياض
الإخلال بالمصالح الضرورية مما تصيّر ذلك السبب حالة من حالات الضرورة.
ولذلك فنحن نرجح أن يكون تحديد مجالها منوطاً بمعناها، فكل حالة تطرأ على الإنسان بحيث لو لم تراع لجزم أو خيف أن تضيع مصالحه الضرورية، مبيحة للمحظورات، سواء كانت للغذاء أو غيره، نظراً لأن حرجها بالغ الخطورة.
وقد مال إلى الأخذ بهذا المعنى السيد محمد رشيد رضا في تفسيره، حيث قال: ((وليست القاعدة - يقصد إباحة المحرمات للمضطر - مقصورة على محرمات المطاعم، بل عامة لكل ما يتحقق الاضطرار إليه لأجل الحياة واتقاء الهلاك، ولم يعارضه مثله أو ما هو أقوى منه))(١).
وتؤيد الأدلة التي أثبتت هذه القاعدة أن مجالها أوسع مما ذكروا، ففي شأن ضرورة الغذاء وردت آيات كثيرة تفيد استثناء المضطر من حالات منع تناول المحرمات من ميتة ودم ولحم خنزير وما أهل لغير الله به، وغيرها، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣](٢)، وكالحديث المروي عن جابر بن سمرة: «إن أهل بيت كانوا بالحرة محتاجين، فماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم، فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكلها، قال: فعصمتهم بقية شتائهم وسنتهم»(٣)، وكتجويزه صلى الله عليه وسلم أكل الصيود والذبائح التي أمسكتها الكلاب
(١) تفسير المنار ١١٥/١.
(٢) ومثلها في ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]، وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
(٣) رواه أحمد، انظر: نيل الأوطار ٨/ ١٥٠. وقد وردت في هذا المعنى أحاديث متعددة، فراجعها في المصدر المذكور، وفي هذا المعنى الخبر الذي رواه ابن سعد عن أبي الزبير عن جابر حينما بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي عبيدة بن الجراح، وكانوا نحو ثلاثمائة رجل، =
250