363

ينبغي لمن عني تعرف علم النبض ودلائله أن يكثر من جس الشريان في حال الصحة. ويجود التثبت والتفطن فيه ليستحكم حفظ صورته للنفس ثم يقيسه إليه عند الحاجة. وقد سمى الأطباء كل واحد من أصناف وأجناس النبض باسم. وذكروا أسبابها ودلائلها. وأنا ذاكر من ذلك ما يشبه غرض كتابنا هذا وغايته إن شاء الله. إذا كان النبض يتبين في طول الساعد بالجس أكثر مما يتبين من قبل في حال الصحة قيل إنه نبض عظيم طويل. وإذا كان يأخذ من إصبع الجاس في الجانبين في العرض موضعا أكثر قيل إنه عريض. وإذا كان يدافع لحم الأصبع ويدخل فيه إلى مسافة أكثر قيل إنه شاهق. وإذا كان في هذا الباب أقل مما جرت به العادة قيل إنه منخفض. وإذا كان زائدا في الطول والعرض والشهوق أكثر مما جرت به العادة سمي عظيما. وإذا كان ناقصا سمي صغيرا. وإذا كان ما بين النبضين من الزمان أقصر مما جرت به العادة سمي متواترا. وإذا كان في زمان أطول من العادة سمي متفاوتا. وإذا كان ما بين أول الحركة وأخرها في زمان أقصر مما جرت به العادة سمي سريعا. وإذا كان في زمان أطول سمي بطيئا. وإذا كان دفعه للأصبع بعنف وصابر الغمز عليه ولم يبطل حركته سمي قويا. وإذا كان بالضد من ذلك سمي ضعيفا. وإذا كان ما يلقى من جرمه عند الغمز عليه شبيها بما في النفس من صورة الركوة أو القربة الممتلئة قيل إنه ممتلئ. وإذا كان شبيها بما في النفس من صورة حسن هذه إذا لم تكن متصدرة ممتلئة لكنها منقبضة غير متمددة قيل إنه ليس بممتلئ وأنه خاوي بحسب ظهور هذه الصورة فيه. وإذا كان ما يلقى الأصبع منه عند قرعه له شبيها بما يلقى من الخيط والوتر الشديد التمديد عندما يقرع قيل إنه صلب. وإذا كان يلقاه كما تلقاه هذه وهي غير شديدة التمدد قيل إنه رخو. وإذا كان واحدة من النبضات شبيهة بصاحبتها في العظم والقوة والسرعة وغير ذلك سمي مستويا. وإذا خالف قيل إنه مختلف. وقد يكون الاختلاف في نبضة واحدة وهو أن لا يشبه انقباض النبضة بعضها ببعض، أما فيما تحس منها الأصبع الواحدة وأما في أصبعين أو أكثر. وقد سمى الأطباء ضروبا من هذه الاختلافات بأسماء نحن ذاكرون بعضها في مكانه إن شاء الله. وإذا كان هذا الاختلاف يجري على دور يحفظه لا يزول عنه إلى غيره مثلا أقول إذا كان يقع بين كل ثلاث نبضات متساوية نبضة واحدة مخالفة لها وبين كل أربع أو خمس. أو يقع بين كل خمس نبضات متساوية نبضتان مخالفتان لها. ثم يدور على هذا المثال قيل أنه نبض منتظم. وإذا كان الاختلاف لا يلزم دورا ولا يدوم عليه قيل إنه نبض غير منتظم. وحركة العروق من داخل البدن إلى خارجه تسمى انبساطا. وهذه الحركة هي التي يحس كل الناس منها ببعضها وهي قرعة الشريان لليد. وأما الأطباء ذوي الدراية فيحسون منها بالأكثر من ذلك. وحركة النبض من خارج البدن إلى داخله تسمى انقباضا. وفي هذه الحركة يحس أو لا يحس. والاختلاف بين الأطباء ليس لذكره في هذا الموضع وجه. وينبغي أن يعلم المتعلم والذي لا يريد في هذا المعنى، بلوغ أقاصيه وغايته، على أن الانقباض غير محسوس. وأن للنبض زمانين، زمان حركة وهو من حين تظهر حركة الشريان للحس إلى حين تسكن تلك الحركة وتختفي، وزمان سكون وهو من حين تختفي تلك الحركة إلى أن تعود ثانية. ولكل واحد من هذين الزمانين إلى الآخر نسبة ما يخصهما في كل واحد من الأسنان. فنسبة هذين الزمانين في سن الصبيان لا تشبه نسبتها في سن الفتيان والشبان والكهول والمشايخ. وتسمى هذه النسبة وزنا. وإذا كان النبض في سن من الأسنان حافظا للنسبة التي تخص ذلك السن قيل إنه ذو وزن وحسن الوزن ومستقيم الوزن ونحو ذلك من الأسماء. وإذا كان لا يحفظ ذلك بل يخرج عنه إلى وزن سائر الأسنان. وأنه إن خرج من سن الصبي إلى الوزن الخاص لسن الفتيان قيل إنه مخالف للوزن. وإذا كان خروجه إلى الوزن الذي يخص سن الكهول أو سن المشايخ قيل إنه سيئ الوزن ولا وزن له أو غير موزون ونحو ذلك من الأسماء. ولأن المكان الذي فيه الشريان من الجسد ربما ظهرت منه للحس حرارة أكثر مما في سائر مواضع الجسد. وقد رأى بعض الأطباء أن يعدوا هذا أيضا في أصناف النبض. وهذه أجناس النبض وهي عشرة. وقد سموا ضروبا من النبض المركبة خصوها بها. فمن ذلك النبض (الغزالي) وهو أن يقرعك العرق ثم يقرعك قرعة ثانية من غير أن تحس أنه رجع وانقبض وسكن. وتكون القرعة الثانية أعظم من الأولى. والمسمى (ذو القرعتين) وهو أن يقرعك الشريان ثم لا تحس منه من السكون بمقادر ما يستحق أن تجعله انقباضا، لكنه يقرع قرعة ثانية إلا أنها أضعف من الأولى. (والمختلف القرعة) وهو أن يكون أول الانبساط ضعيفا وآخره قويا وبالضد. أو يكون أوله أعظم من آخره وأسرع وهو من النبض المختلف في قرعة واحدة. (وذنب الفارة) وهو نوعان: أحدهما أن يكون نبضة لها مقدار ما من العظم ثم أخرى أصغر منها ثم كذلك إلى أن يصير إلى إحدى ثلاث. وإما أن يقف عند نبضة ما فلا يصير إلى ما هو أصغر. وإما أن لا يزال يصغر حتى يخفي عنه الحس البتة. وإما أن يكون إذا بلغ مقدارا ما من الصغر عاد فجعل يزداد. وإذا عاود الزيادة فربما كان رجوعه إلى مقداره الأول، وربما كان إلى ما هو أصغر منه. ويسمى الصنف الأول ذنب ثابت والثاني ذنب منقضي والثالث ذنب راجع. ويسمى الراجع إلى مقداره الأول ذنب تام الرجوع والثاني ذنب ناقص الرجوع. والنوع الآخر يكون له هذا التناقض المتشابه أولا في طول العرق فيكون في موضع له منه عظم، وفي الذي يتلوه أصغر منه قليلا ولا ينقطع حسه دفعة لكنه لا يزال يصغر على تناسب قليلا قليلا حتى يخفى، وهذا ربما كان في الجانبين ويسمى المنحني. وربما كان في جانب واحد ويسمى المائل إلى جانب. وهذا أيضا من النبض المختلف في نبضة واحدة. (والمنحل) ويكون إذا حدث في الزمان الذي بين النبضات من الخلاف في التفاوت ما يتوقع أن يكون في ذلك الوقت نبضا أولا فلا يكون. (والزائد) وهو بالضد من هذا. (والثابت) وهو النبض الدقيق الصلب الذي يبقى بحاله وهذا لا يكاد يزول عنه (والموجي) وهو الذي يأخذ من عرض الأصبع مكانا كثيرا مع لين وامتلاء لكن ليس له شهوق كثير ولا دفعة، لكن شهوقه تحل مرة بعد مرة حتى كأنه أمواج متتابعة يتلو بعضها بعضا. (والدودي) وصورته في الشهوق صورة الموجي بعينه إلا أنه ليس بعريض ولا ممتلئ. وتموجه تموج ضعيف وكأنما هو دود يدب في تجويف العروق. (والنملي) وهو نبض في غاية الصغر والتواتر حتى كأنه يشبه نبض الأطفال القريبي عهد الولادة. (والمنشاري) وهو نبض صلب وفي قرعه شهوقة واختلاف حتى يحس كأنه يقرع بعض الأصابع في حال نزوله عن بعض وينزل عن بعض في حال قرعه لبعض. (والمرتعد) وهو الذي يحس فيه بحالة شبيهة بالرعدة. (والملتوي) وهو الذي يحس منه كأن العرق خيط يلتوي. ونقول إن نبض الرجال على الأكثر أعظم وأقوى من نبض النساء وأبطأ منه وأشد تفاوتا غير أن فضل عظمه وقوته كثيرين جدا. وفضل انطوائه وبطئه عليه يسير. وفضل تفاوته كثير أيضا وبين. ونبض الأطفال في غاية التواتر والصغر والسرعة. وأما نبض الصبيان الناشئين فإنه أعظم من نبض الفتيان ولكن نبض الفتيان أقوى منه ومن نبض جميع الأسنان وخاصة نبض الذين هم في نهاية الشباب. ونبض الكهولة أقل سرعة من نبض الشباب وأضعف منه قليلا وأصغر. ونبض الهرمين في غاية التفاوت والضعف والصغر والإبطاء.

النبض والمزاجات المختلفة:

مخ ۵۱۷