525

الباب الثاني: في إخراج الزكاة على يدي الثقة وغير الثقة، وما يجوز له فيها من فعل وما لا يجوز وأحكام ذلك وإذا دفع رب المال الزكاة إلى العامل وأمره أن يفرق ما لزمه من الزكاة فإن وثق العامل وأمره أن يفرقها فجائز، وإذا أمر رجل رجلا بأداء زكاته إلى أحد من الناس فدفعها المأمور إلى غير ذلك فلا يجوز وعلى المعطي ردها إلى صاحبها، ومن سلم إلى ولد له صغير وقد عرف الخير من الشر والجنة من النار، وما يزيده وما ينقصه شيئا من الزكاة، وقال له: سلم هذه الزكاة إلى فقير فإن كان عنده أنه يفعل ما يأمره ولا يتلف منها شيئا فذلك جائز على ما تجري به العادة بين الناس وأما الحكم فلا، ومن أعطى زكاته رجلا فذهب بها من أرض إلى أرض فتلفت فلا شيء، أحدهما لعله بعني بعثها صاحب الزكاة من أرض الشرك إلى فقراء المسلمين فإذا ما دفع زكاته إلى رجل من المسلمين وأمره أن يفرقها على أهلها فتلفت فلا شيء على أحدهما وقد أجزت عنه إن شاء الله، وكذلك عندي إذا أخرجها إلى ثقة من المسلمين من أرض الشرك ليجعلها في أهلها فتلفت إنه لا شيء على أحدهما فهذا عندي مثل الرسول الذي ترسله بزكاتك في أرض الإسلام إلى والي الإمام وسل عن ذلك، ومن بعث بزكاته مع ثقة إلى أهلها فقد برئ منها وإن لم يرجع إليه الثقة فيعلمه أنه قد أوصلها وإن كان قد بعثها مع غير ثقة فلا يبرأ حتى يعلم أنها قد وصلت إلى أهلها، وأما الذي يفرق الصدقة على الفقراء من القوم من ثلث أو غيره فإن بعث إلى فقير ما كان له مع الرسول لا يتهمه فلا أرى عليه بأسا بذلك، وكذلك أرى الناس يفعلون حتى يقول الفقر أن لم يصل إليه شيء، فإن كان الذي ثقة لم ينظر في إنكاره، وإن كان غير ثقة فأحب أن يغرم الذي ولى غير الثقة، ومن بعث بزكاته مع رسول ليدفعها إلى الوالي وإلى رسوله فقد برئ منها، ولو تلفت من عندهم، ولو أن رجلا من بلاد الشرك بعث بزكاته مع رجل إلى بلاد الإسلام فتلفت قبل أن يؤديها فإن عليه أن يرجع فيخرج الصدقة إلا أن يكون الذي أرسلها معه ممن يقسم الصدقة فليس على أحدهما شيء إذا تلفت من يد الرسول، ولا يجوز بيع الصدقة قبل قبضها؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يجوز بيع الصدقة حتى تقبض» (¬1) .

فصل:

قيل: كتب عمر بن الخطاب نسخة عمر بن عبد العزيز إلى ميمون بن مهران أبغني رجلا فأعطيه مالا يكسو العاري ويحمل الراجل ويعطي النفقة من قد أرمل ولا تجعله لئيما فإن اللئيم لو ولى ماء البحر لمنعه، المرمل المحتاج يقال أرمل الرجل وأرملت المرأة إذا احتاجا. قال لبيك:

... وهم ربيع للمجاور ... فيهم ... *** والمرملات إذا تطاول ... عامها

أي: طالت عليهم السنة في الجدب والقحط.

مسألة:

وإذا سلم رجل إلى رجلين شيئا من الزكاة ليفرقها عنه في الفقراء وأفرد كل واحد منها بما سلمه إليه من ذلك لم يجز لهما أن يخلطا ما في أيديهما وليخرج كل واحد منهما ما في يده منفردا لأنهما إذا خلطا ذلك ثم فرقاه فقد صار كل واحد منهما مفرقا لشيء مما كان في يد الآخر مما لم يكن إليه تفريقه، وأيضا فإنهما يكونان بهذا الفعل متعديين فيما لم يجعل إليهما ولا إذن فيه لهما وكل مخالف لأمر متعد وكل متعد ضامن والله أعلم، وكذلك لو سلم رجلان إلى رجل شيئا من الزكاة ليخرجها عنهما إلى الفقراء لم يجز له أن يخلط ذلك لأنه متى شاء أحدهما ارتجاع ما دفعه إليه لم يتميز ذلك فكأنه استهلك مال كل واحد منهما بمال الآخر، وأيضا فقد فعل ما لم يكن له فعله والله أعلم، ووجدت عن أبي القاسم سعد بن قريش رحمه الله جواز ذلك والله أعلم. قال بشير: جائز للرجل أن يدفع إلى الرجل العدل في دينه من قومنا الحقوق الواجبة عليه مثل الزكاة وغيرها يدفعها إلى غيره.

مسألة:

مخ ۳۵