383

أجنحة المكر الثلاثة

أجنحة المكر الثلاثة

خپرندوی

دار القلم

شمېره چاپونه

الثامنة

د چاپ کال

١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م

د خپرونکي ځای

دمشق

(١) تكسير معاقد الترابط الاجتماعي وتقطيع أوصاله
اجتازت بي السيارة مرة في طريق صحراوي، فهبت رياح ليست بعاتية، فشهدت جبالًا ضخمة تحملها أنامل الرياح من جهة نائية عن يمين الطريق، ثم تضعها في جهة نائية عن يساره، وقالوا: هذه جبال من رمل، تتلاعب بها الرياح، فتنقلها في الصحراء، بحسب اتجاهاتها، فقلت: ما أشبه أكثر المجتمعات الإنسانية في هذا العصر بهذه الجبال الرملية، تتقاذفها الرياح الكونية ذات اليمين وذات الشمال.
ولما اجتزنا جبال الرمل صادفنا هضبة مرتفعة، تزمجر الرياح العاتية من حولها، تريد أن تقتلعها، وتحملها كما حملت جبال الرمل هناك، فلا تستطيع أن تنال منها نيلًا، إلا غبارًا كان قد علق بها فكنسته عنها، وبعض حصىً اختار أن ينفصل عن الهضبة، فعبثت به الرياح، فقلت: ما أشبه هذه الهضبة بمجتمع بشري متماسك بالإسلام، استطاعت الروابط الاجتماعية لديه أن تجد في أفراد معاقد خلقية متينة فتنعقد عليها فتكسب المجتمع قوة الكتلة الواحدة، لا قوة الأفراد المبعثرين، وفرق كبير جدًا بين القوتين، إن بطلًا واحدًا يستطيع أن يصرع مئة ألف مصارع على التناوب، لكنه متى اجتمع عليه عدد قليل منهم صرعوه مهما بلغت قوته.
وقد دلت التجربات الإنسانية والأحداث التاريخية أن ارتقاء القوى المعنوية للأمم والشعوب ملازم لارتقائها في سلم الأخلاق الفاضلة، والسلوك الاجتماعي السليم، ومتناسب معه، وأن انهيار القوى المعنوية للأمم والشعوب

1 / 400