Terbitan Matahari atas Alfiyah
شرح طلعة الشمس على الألفية
ورد بأنه لا خلاف فيه بهذا المعنى، فإن أقوى القياسين مقدم على الآخر قطعا، قال المخالف: فلم يتحقق معنى للاستحسان يصلح محلا للنزاع؟!، أقول: ولا يلزم القائل بالاستحسان إثبات معنى مختلف فيه الاستحسان عند كل طائفة من أهل هذه الأقوال هو ما فسروه به، فإن وافق الخصم على ثبوت الاستحسان بتلك المعاني، فقد أثبت الاستحسان الذي أثبته غيره، فيرتفع الخلاف في ثبوته، قال صاحب المنهاج: "اعلم أنه لا فرق عند مثبتي الاستحسان بين أن يكون المعدول إليه نصا من الكتاب أو من السنة أو الإجماع أو قياسا أو اجتهادا أو استدلالا بعد أن يكون أقوى مما عدل عنه، وكذلك لا فصل عندهم بين أن يكون المعدول عنه ثبت بظاهر الكتاب أو السنة أو القياس أو الإجتهاد، وعلى هذا فيكون تفسير الاستحسان: هو العدول عن دليل أوهى إلى دليل أقوى، وذكر بعضهم للاستحسان نظائر من مسائل الحنفية، منها: أن من حلف بأن ما يملكه صدقة، وبأن أمواله صدقة، قالوا: القياس أنهما سواء في أنه يقع على جميع ما يملكه إلا أنا استحسنا في قوله: "أموالي صدقة"، أنه يكون محمولا على أموال الزكاة، لقوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة } (التوبة: 103)، فعدلوا في هذا الموضع عن الأصل الموجب للتسوية، ومنها ما قالوه في الأكل ناسيا في رمضان: إن القياس أن يفطر كالحيض، واستحسانا لا يفطر الآكل للخبر، ومنها ما قالوه إن جميع أنواع النوم ينقض الطهارة، واستحسانا في بعضه لا ينقض للخبر، ومنها ما قالوا في الاسترضاع ودخول الحمام بأجرة مجهولة، ومسكوت عنها، إن القياس أن لا يجوز، واستحسانا جوازه للإجماع، أقول وبعض هذه المسائل موجود في المذهب على هذا الحال الذي ذكروه، والبعض الآخر يقبله المذهب لوجود نظائره فيه، قال صاحب المنهاج: "قال الشيخ أبو عبد الله: وربما تركوا قياسا إلى قياس آخر، وإلى قياس الأصل من حيث لا يسلم وجه الاستحسان على حال يوجب العدول عنه إليه، نحو قولهم فيمن احتلم في صلاته أنه لا يبني، وإن كان وجه الاستحسان في سبق الحدث يقتضي ذلك، فعدلوا فيه إلى أصل القياس"، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان الإلهام، فقال:
ومنه إلهام به ينثلج ... قلب الذي في قلبه يختلج
وليس حجة لعدم العصمة ... مخالف لمذهب الصوفية
من الاستدلال: الإلهام عند من أثبته حجة، وهو إيقاع شيء في قلب الولي، ينثلج له قلبه، أي يطمئن به صدره، فإن كان ذلك الملهم نبيا كان ذلك الإلهام حجة اتفاقا؛ لأنه نوع من الوحي، وإن كان غير نبي، فقيل: الصحيح أنه ليس بحجة؛ لعدم العصمة، إذ لا يؤمن أن يكون ذلك وسوسة شيطان، وذهب بعض الصوفية إلى أنه يكون حجة في حق من ألهم دون غيره، وهو مقتضى مذهب الإمام الكدمي رضوان الله عليه، فإنه جعل الإلهام حجة يضيق بها جهل الجاهل، وألزمه العمل بها في بعض المواضع، وأقول: أنه إن كان الملهم ضعيفا، فلا يكون ذلك الإلهام بنفسه حجة حتى يطابق القوانين الشرعية، والقواعد الدينية، فإذا طابقها كان حجة عليه، ولزمه العمل به، علم أنه حجة أو لم يعلم، إن كان ذلك الحال مما لا يسع جهله، وإن كان الملهم عالما مجتهدا، فغالب أحواله لا يكون الإلهام في حقه إلا في قضية لا يوجد لحكمها نص ولا إجماع، وعلى هذا فينبغي أن يكون الإلهام في حقه هو الاستحسان على بعض ما قيل في تفسير الاستحسان، وهو عندنا حجة عليه، أما ما قيل: من أنه لا يأمن أن يكون ذلك وسوسة شيطان، فممنوع بأنه إذا قامت الحجة على أحد، وجب عليه الأخذ بمقتضاها، علم أنها حجة أو جهل، أمن الوسوسة فيها أو لم يأمن، وغاية الأمر أن قيام الحجة من الأمور القدرية، فيجب الكف عن الخوض فيها، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان حكم الأشياء قبل ورود الشرع، فقال:
Halaman 188