ومضى إلى القوم، ولقيهم بعد صلاة الصبح فقتل منهم ستة أو سبعة، وانهزم الباقون، وأقسم الله تعالى بفعل أمير المؤمنين فقال: {والعاديات ضبحا} (1) .
فالجواب: أن يقال له: أجهل الناس يقول لك: بين لنا سند هذا، حتى نثبت أن هذا نقل صحيح. والعالم يقول له: إن هذه الغزاة - وما ذكر فيها - من جنس الكذب الذي يحكيه الطرقية، الذين يحكون الأكاذيب الكثيرة من سيرة عنترة، والبطال، وإن كان عنترة له سيرة مختصرة، والبطال له سيرة يسيرة، وهي ما جرى له في دولة بني أمية وغزوة الروم، لكن ولدها الكذابون حتى صارت مجلدات، وحكايات الشطار، كأحمد الدنف، والزيبق المصري، وصاروا يحكون حكايات يختلقونها عن الرشيد وجعفر، فهذه الغزاة من جنس هذه الحكايات، لم يعرف في شيء من كتب المغازي والسير المعروفة عند أهل العلم ذكر هذه الغزاة، ولم يذكرها أئمة هذا الفن فيه، كموسى بن عقبة، وعروة بن الزبير، والزهري، وابن إسحاق وشيوخه، ويحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، ومحمد بن عائذ، وغيرهم، ولا لها ذكر في الحديث، ولا نزل فيها شيء من القرآن.
وبالجملة مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا سيما غزوات القتال - معروفة ومشهورة، مضبوطة متواترة عند أهل العلم بأحواله، مذكورة في كتب أهل الحديث والفقه والتفسير والمغازي والسير ونحو ذلك، وهي مما تتوفر الدواعي على نقلها، فيمتنع عادة وشرعا أن يكون للنبي - صلى الله عليه وسلم - غزاة يجري فيها مثل هذه الأمور لا ينقلها أحد من أهل العلم بذلك، كما يمتنع أن يكون قد فرض في اليوم والليلة أكثر من خمس صلوات، أو فرض في العام أكثر من صوم شهر رمضان ولم ينقل ذلك، وكما يمتنع أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غزا الفرس بالعراق، وذهب إلى اليمن، ولم ينقل ذلك أحد، وكما يمتنع أمثال ذلك مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله لو كان ذلك موجودا.
Halaman 474