ثمرة النميمة
العاقل يجانب النميمة لأنها تثمر هتك الأستار، وتدفع إلى إفشاء الأسرار، وتورث الضغائن، وترفع المودة، وتجدد العداوة، وتبدد الجماعة،
وتهيج الحقد، وتزيد الصد، فمن وشيء إليه عن أخ كان الواجب عليه معاتبته على الهفوة إن كانت، وقبول العذر إذا اعتذر، وترك الإكثار من العتب مع توطين النفس على الشكر عند الحفاظ، وعلى الصبر عند الضياع، وعلى المعاتبة عند الإساءة، قال الشاعر:
أعتاب اخواني وابقي عليهم ... ولست لهم بعد العتاب بقاطع
واغفر ذنب المرءِ إن زل زلة ... إذا ما أتاها كارها غير طائع
وأجزع من لوم الحليم وعذله ... وما أنا من جهل الجهول بجازع
وقد قيل أن ابن الزبير ﵄ عاتب معاوية في شيء فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين اسمع أبيات اعتبتك فيها، قال: هات، فأنشده:
لَعَمرُكَ ما أَدري وَإِنّي لأَوجَلُ ... عَلى أَيِّنا تَغدو المَنِيَةِ أَوَّلُ
وَإِنّي عَلى أِشياءَ مِنكَ تريبُني ... قَديمًا لَذو صَفحٍ عَلى ذاكَ مُجمِلُ
إِذا أَنتَ لَم تُنصِف أَخاكَ وَجَدتَهُ ... عَلى طَرَفِ الهِجرانِ إِن كانَ يَعقِلُ (١)
وروي أن الإمام علي بن أبي طالب ﵁ قال: "لا تكثر العتاب فإن العتاب يورث الضغينة والبغضة وكثرته من سوء الأدب"، قال الشاعر:
إذا كنت في كل الإمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القدى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
(١) - روضة العقلاء ص١٤٣. والأبيات من قصيدة طويلة وردت في ديوان معن بن أوس المزني، وهو شاعر مخضرم شهد الجاهلية والإسلام وتوفي سنة ٦٤هـ.