العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له وأن لا يظهر خلافًا ولا يشق العصا وهكذا كان شأن علي ﵁ في تلك المدة التي قبل بيعته فإنه لم يظهر على أبي بكر خلافًا ولا شق العصا ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفًا على حضوره فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره فلما لم يجب لم يحضر وما نقل عنه قدح في البيعة ولا مخالفة ولكن بقي في نفسه عتب فتأخر حضوره في أن زال العتب وكان سبب العتب أنه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كل شيء وقربه من النبي ﷺ وغير ذلك رأى أنه لا يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحًا لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة ولهذا أخروا دفن النبي ﷺ حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهم الأمور كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك وليس لهم من يفصل الأمور فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء والله أعلم"١.
قال الحافظ ابن كثير معللًا عدم اسجابة الصديق ﵁ لما طلبته فاطمة ﵂ من الميراث حيث ظنت أن ما خلفه النبي ﷺ يقسم بين الورثة قال: "فلم يجيبها إلى ذلك لأنه رأى أن حقًا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله ﷺ وهو الصادق البار الراشد التابع للحق ﵁ فحصل لها - وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة - عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى ماتت واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة النبي ﷺ رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر
١ـ شرح النووي ١٢/٧٧-٧٨.