قوله عليه السلام : « كان الله ولم يكن معه شيء » (1) ونحو ذلك حدوث سرمدي مراتبي.
وبعبارة أخرى : حدوث زماني بالزمان التقديري ، بمعنى أن وجود العالم مسبوق بالعدم المراتبي كما أنه مسبوق بالعدم الذاتي ، وأن الواجب تعالى كان ثابتا في مراتب من مراتب وجوده الواقعي ولم يكن العالم ثابتا فيها كما أنه تعالى كان في مرتبة ذاته من حيث إنها علة له ثابتا ولم يكن العالم في تلك المرتبة ثابتا ، وتلك المراتب منتزعة من وجوده المستمر الثابت المنزه عن سبق العدم ، بمعنى أنه ينتزع من وجوده المستمر مراتب عديدة بعد مرتبة ذاته من حيث إنها علة يتصف ذات الواجب بالكون بالنسبة إلى تلك المراتب ولم يكن فيها إلا واجب الوجود وعدم العالم ، فيكون وجود العالم مسبوقا بالعدم سوى العدم الذاتي أيضا ، ويكون العدم سابقا على الوجود سبقا ذاتيا كسبق أجزاء الزمان بعضها على بعض على ما هو مختار المتكلمين ، (2) أو شبيها به أو بغيره كما سيأتي ، وذلك العدم مستند إلى مشيئة الترك ، فباعتبار كون مستنده وجوديا يصلح أن يكون موصوفا بوصف كالسابقية ، فلا يرد (3) أن ثبوت الشيء لشيء فرع لثبوت المثبت له ، فلا بد من وعاء يكون فيه ، وذلك الوعاء إما واجب أو ممكن ، لا سبيل إلى الأول ؛ لامتناع تعدد الواجب ، فيتعين الثاني ، فيلزم اتصال العالم بالواجب وهو معنى القدم.
وبالجملة ، فقد ظهر مما قررنا سابقا أن ترك الفعل بالنسبة إلى الواجب يكون مستندا إلى مشيئته ؛ ولهذا عدلنا عن العبارة المشهورة في بيان معنى الإرادة ، وهي قولهم : إن شاء فعل ، وإن لم يشأ لم يفعل ، إلى قولنا : إن شاء فعل ، وإن شاء ترك ، فليتأمل.
Halaman 54