كما هو مذهب المليين (1) كان للعدم تقدم عليه سوى التقدم الذاتي الذي أثبته الفلاسفة (2) لعدم الممكن على وجوده المعبر عنه بالحدوث الذاتي كتقدم الحوادث الزمانية وأجزاء الزمان بعضها على بعض في عدم اجتماع السابق مع المسبوق ، ولكن هذا التقدم ، له تقدير وتعيين ، بخلاف تقدم العدم على وجود العالم على مذهب المليين ؛ فإنه لا يكون فيه قرب وبعد وزيادة ونقصان إلا بمحض التوهم.
ونظير ذلك ما قالوا : (3) إن فوق محدد الجهات لا خلاء ولا ملاء مع أن الفوقية به ، وكما أن العقل هناك يعلم من تناهي البعد المكاني أن وراءه عدم صرف ونفي محض ، وينتزع من ذلك ويحكم بمعونة الوهم أن لهذا العدم المحض فوقية ما على المكان والمكانيات كفوقية بعض أجزاء المكان على بعض مع أنه لا مكان هناك ، كذلك يعلم من تناهي الزمان والزمانيات في جانب البداءة أن وراءها عدم صرف ونفي محض ، ويحكم بأن لهذا العدم الصرف قبلية ما على وجود العالم والزمان شبيهة بقبلية أجزاء الزمان بعضها على بعض ، ولا يلزم من ذلك وجود زمان قبل الزمان ، بل مجرد ذلك الزمان الموجود مع ملاحظة تناهيه كاف لانتزاع الوهم وحكم العقل بهذه القبلية.
قيل : (4) قال : وهذا هو الحدوث الزماني المتنازع فيه بين المليين والفلاسفة ، وليس هذا إثبات الزمان الموهوم كما أنه ليس ذلك إثبات المكان الموهوم وإن أورد عليه (5) بأن هذا ليس إلا القول بالقدم بالحقيقة ؛ لأنه إذا لم يكن انفصال بين ذات الواجب
Halaman 52