703

أو خبر مبتدأ محذوف صفته ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) أي : ومن الذين هادوا قوم يحرفون الكلم ، أي : يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها ، بإزالته عنها وإثبات غيره فيها ، كما حرفوا «أسمر ربعة» عن موضعه في التوراة ، ووضعوا مكانه : «آدم طوال» ، وحرفوا الرجم ووضعوا الحد بدله. أو يؤولونه على ما يشتهون ، فيميلونه عما أنزل الله تعالى فيه. فعلى المعنى الأول التحريف لفظي ، وعلى الثاني معنوي. وتذكير الضمير باعتبار أن مرجعه اسم الجنس.

( ويقولون سمعنا ) قولك ( وعصينا ) أمرك ، أو يقولون بألسنتهم : سمعنا ، وفي قلوبهم : عصينا ( واسمع غير مسمع ) أي : حال كونك مدعوا عليك ب «لا سمعت» لصمم أو موت. أو اسمع حال كونك غير مجاب إلى ما تدعو إليه. أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه. أو اسمع كلاما غير مسمع إياك ، لأن أذنك تنبو عنه. وعلى الوجه الأخير يكون مفعولا به. أو اسمع غير مسمع مكروها ، من قولهم : أسمعه فلان ، إذا سبه. وعلى هذا قالوه على سبيل الخير نفاقا.

( وراعنا ) أنظرنا نكلمك ، أو نفهم كلامك ( ليا بألسنتهم ) فتلا بها ، وصرفا للكلام إلى ما يشبه السب ، حيث وضعوا «غير مسمع» موضع «لا أسمعت مكروها» لقصد السب ، و «راعنا» المشابه لما يتسابون به وهو : راعنا موضع «انظرنا». أو فتلا بها وضما لما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرون من السب والتحقير.

( وطعنا في الدين ) استهزاء به وسخرية.

إن قيل : كيف جاءوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا : سمعنا وعصينا.

قلنا : جميع الكفرة كانوا يواجهون النبي صلى الله عليه وآلهوسلم بالكفر والعصيان ، ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء ، ويجوز أن يقولوه فيما بينهم ، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ، ولكنهم لما لم يؤمنوا به جعلوا كأنهم نطقوا به.

Page 74