825

وهكذا الحال لو حصل العلم والاضطرار دفعة ومتقارنين ، فإنه حينئذ أيضا لا يورث العلم التنجيز ، ففي هاتين الصورتين يكون الاضطرار المذكور من أفراد الكلية المذكورة ، وأما لو حصل العلم بخمرية هذا الإناء أو ذاك أولا ، ثم حصل الاضطرار إلى شخص هذا فحينئذ أيضا قد يقال بأنه من أفراد تلك الكلية ، ويقال في تقريب ذلك : إن التكليف مقيد بعدم الاضطرار ، فحرمة الخمر مثلا ليست متعلقة بذات الخمر ، بل به مع قيد عدم الاضطرار.

وبعبارة اخرى قوله : «إلا ما اضطررتم» قيد شرعى ، فمتعلق المبغوضية والحرمة هو العنوان الخاص المقيد ، بحيث لو انتفى القيد فقد تبدل العنوان الذي كان فيه ملاك التحريم وانقلب إلى عنوان آخر مغاير له ، مثلا الخمر الغير المضطر إليه عنوان ويكون ذا مفسدة ذاتية يوجب التحريم ، والخمر المضطر إليه عنوان آخر ليست فيه تلك المفسدة ، بل المتحقق فيه إما اللامفسدة ، وإما المصلحة ، وعلى هذا فنقول : قبل حدوث الاضطرار كان عنوان المحرم محفوظا ، وحيث فرض تعلق العلم به إجمالا أورث تنجيزه ووجوب امتثاله ، وأما بعد طرو الاضطرار فمن هذا الحين ينتفي العلم بذاك العنوان ؛ لعدم محفوظية القيد على كل تقدير ، فلا علم بتحقق ما هو الموضوع للحرمة في البين.

والحاصل أن قوام تنجيز العلم الإجمالي بتعلقه بالموضوع المقيد ، فما دام هذا الموضوع محرزا بحدوده وقيوده كان العلم منجزا ، وإذا انتفى ولو بقيده انتفى وصف التنجيز من العلم ، وأما الفرق بين حدوث الاضطرار وبين فقد الموضوع وإتلافه حيث إن المسلم أنه لو أتلف أحد الإنائين المشتبهين بالخمر مثلا أو أراقه بعد العلم الإجمالي فوجوب الاجتناب عن الآخر باق بحاله أن فقد الموضوع ليس حدا للتكليف ، فليس معنى واحد من التكاليف الشرعية إنشاء الحكم في موضوع إلى غاية وجود هذا الموضوع.

مثلا ليس معنى «لا تشرب الخمر» أن حكم الحرمة موجود ما دام وجود الخمر ، بل هو معلق على ذات الخمر من غير نظر إلى وجود وعدمه ، وانتهاء التكليف عند

Page 128