805

الوجه الثاني ضم مقدمة عقلية إلى مقدمة لفظية ، وحاصله أن غاية ما ثبت إلى هنا قصور هيئة الكلام الدالة على حكم الرخصة في ما لا يعلمون وعنوان المشكوك عن إفادة الحكم ، لما ذكرنا من المحاذير ، ولكن هنا شيء آخر يستفاد من المادة وهو كون الشك في حد ذاته مقتضيا تاما للترخيص والإباحة بحيث لا نقص فيه من حيث الاقتضاء ، فالشك في التكليف بناء على هذا شيء يكون في جميع الأحوال مقتضيا للترخيص بمقتضى ما استفيد من تلك الأخبار باعتبار هذا الجزء الذي قد سميناه في بحث المقدمة بإطلاق المادة ، فنحن نعلم بإطلاق مادة هذه الأخبار بأن كلا من المشتبهين يكون المقتضي لترخيص نفسه وإباحته في نفسه تاما ، غاية الأمر لم يمكننا جر الهيئة إليهما ومشموليتهما للإذن والترخيص الفعليين بحكم العقل.

وبعد الاستفادة المذكورة من اللفظ نقول : لا شبهة أنه لو وقع التزاحم والتعارض في مقام فعلية التأثير بين سببين ومقتضيين عقليين بحيث لم يمكن الجمع بينهما ، بل دار الأمر بين تأثير أحدهما ولغوية الآخر ، فحكم العقل أولا ملاحظة الأهمية ، فإن كان أحدهما أهم كان مرجحا ومقدما على الآخر ، وعلى تقدير التساوي كما هو الحال في المقام حيث إن المتعارضين كل منهما شك في التكليف كان حكم العقل التخيير بينهما وأن لا يسقط أحدهما عن التأثير بعد عدم إمكان تأثير كليهما.

مثلا لو قال المولى : أنقذ الغريق ، فابتلى المكلف بغريقين لا يقدر على إنقاذ كليهما فلا شك أنه يلزم بحكم العقل تخصيص هيئة «أنقذ» الدالة على الإيجاب بالنسبة إلى المجموع ؛ إذ لا إيجاب مع العجز ، وإذا علم أن جمع الغريقين تحت حكم العام غير معقول فأصالة عمومه بالنسبة إلى هذا بعينه أو ذاك بعينه أيضا لا يمكن لنا إجرائها ، للترجيح بلا مرجح ، لأن كلا منهما مصداق للعام ، فلا وجه لتخصيص أحدهما بالدخول تحته ، والحاصل : لا بد من رفع اليد عن ظهور الهيئة في كليهما.

Page 108