293

Tawfiq al-Rabb al-Mun'im bi-Sharh Sahih al-Imam Muslim

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

Maison d'édition

مركز عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م

تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، فأحل بعض المحرمات، وأما بقية الأحكام فباقية، وكما أخبر الله تعالى عن الجن أنهم لما سمعوا قراءة النبي ﷺ: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، مع أن عيسى ﵇ نزل عليه الإنجيل بعده، لكن الإنجيل كتاب مواعظ وعبر، والتوراة كتاب أحكام.
وقوله: «يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا»: فيه دليل أن ورقة ﵁ آمن، فيكون أول من آمن من هذه الأمة ورقة بن نوفل، وجاء في السيرة أبيات لورقة، قال فيها (^١):
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ ... أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ
وذكر أبياتًا له فيها أنه يعلم أنه كبير السن، وأنه على قرب الوفاة؛ ولهذا ما لبث أن توفي ﵁، لكنه آمن، وتمنى أن ينصر النبي ﷺ حين يخرجه قومه.
وقوله: «فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا» على صيغة المجهول من الجأث، بالجيم والهمزة والثاء المثلثة، جئث جأثا: فزع، وقد جُئث إذا أُفزع، فهو مجؤوث أي: مذعور، والمعنى: رعبت وفزعت (^٢).
وقوله: «زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي»، يعني: غطوني، غطوني، وفيه: دليل على أن ﴿يا أيها المدثر﴾ نزلت بعد فترة الوحي، وأن أول ما نزل: ﴿اقرأ باسم ربك﴾.
وقوله: «﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾»، أي: عظم ربك بالتوحيد.

(^١) البداية والنهاية، لابن كثير (٧/ ٨)، السيرة النبوية، لابن هشام (٥/ ١٠٧).
(^٢) لسان العرب، لابن منظور (٢/ ١٢٦).

1 / 299